أنَّ الإمام البخاري رضي الله عنه ترجم في صحيحه بـ باب كيف كان أصالة ثلاثون ترجمة، عشرون منها في النِّصف الأوَّل، وعشر في النِّصف الثَّاني، والمراد بقولي أصالة أنَّ المُتَرجَم بذلك تبعًا في الأبواب الأخر
ج 1 ص 47
وراء من ذلك، ولا يُثْبِت الكيفية في أكثر هذه التَّراجم. واضطربت أقوال الشُّرَّاح في إثبات الكيفية من أحاديث هذه الأبواب.
والأوجه عندي في هذه الأبواب الخالية عن بيان الكيفية أنَّ الإمام البخاري لم يُرِد في هذه الأبواب إثبات الكيفية، بل أراد إثبات ما بعد لفظ كيف ونبه بلفظ كيف على الاختلاف الوارد في كيفية هذه الأمور.
مثلًا: ترجم بـ باب كيف كان بدء الحيض وليس في الحديث بيان كيفية بدئه، بل الوارد فيه الاختلاف في وقت بدئه، وحمَّل ذلك عامة المشايخ التَّرجمة، والأوجه عندي أن الإمام البخاري أشار بذلك إلى اختلافهم في كيفية البدء، هل كان بدؤه مصلحةً [1] عذابًا؟.
ويستنبط ذلك من كلام شيخ المشايخ في تراجمه أيضًا إذ قال: قوله «كتبه الله» . إلى آخره، أي شيء كتبه الله على بنات آدم تغذية لأَجِنَّتهن، خلافًا لبعضهم، إذ قالوا أول ما أُرسل على نساء بني إسرائيل ابتلاءً لهن. إلى آخره
وترجم كيف تُهِلُّ الحائض بالحج والعمرة قال شيخ المشايخ في «التَّراجم» قال الشَّارح القسطلَّاني في معناه: ليس المراد بالكيفية الصِّفة، بل بيان صحَّة إهلال الحائض [2] .
وعندي أنَّه على الظَّاهر، والغرض إثبات صفة الإهلال إذا أهلَّت الحائض، وهي أن يكون إهلَالُها مقرونًا بالغُسل؛ وإن كان ذلك الغُسل في أثناء الحيض، وغُسل عائشة رضي الله عنها يحتمل ذلك [3] . انتهى.
قلت: ما حكاه الشَّيخ _قدس سره_ عن الشَّارح، أخذه الشَّارح المذكور عن «الفتح» إذ قال: مراده بيان صحة إهلال [الحائض] [4] ومعنى كيف في التَّرجمة الإعلام بالحال بصورة الاستفهام لا الكيفية الَّتي يراد بها الصِّفة، وبهذا التَّقرير يندفع اعتراض من زعم أنَّ الحديث غير مناسب للتَّرجمة إذ ليس فيها ذكر صفة الإهلال [5] . انتهى.
وقال العيني: المراد من الكيفية الحال من الصِّحة والبطلان، والجواز وغير الجواز، فكأنَّه قال: باب صحة إهلال الحائض بالحج ... إلى آخره
ومؤدَّى كلام هؤلاء المشايخ كلهم أنَّ لفظ كيف حشوٌ في كلام الإمام الهمام، وأنت خبير بأنَّ هذا بعيد كل البعد من جلالة شأنه ودقائق تدبُّره، فالأوجه عندي على الأصل المذكور أنَّ الإمام البخاري رضي الله عنه نبَّه بذلك على الاختلاف الواقع في كيفية هذا الغسل باعتبار الحكم، هل هو سنَّة مؤكَّدة كما عند مالك؟ أو مستحب كما عند بقية الأئمة الثَّلاثة؟ ففي «الأوجز» هذا الغُسل سُنَّة مؤكَّدة عند مالك وأصحابه، لا يُرَخَّص في تركه إلَّا لعذر، وهو آكد اغتسالات الحج إلى آخر ما بسط فيه.
ومال ابن حزم إلى أنَّ هذا الغُسل فرض للحائض المتمتِّع والنُّفَسَاء، قال العيني: قال ابن حزم لا يلزم الغُسل فرضا في الحج إلَّا المرأة تُهِلُّ بعمرة تريد التَّمتُّع فتَحِيض قبل الطَّواف بالبيت، فهذه تَغْتَسل ولا بد، والمرأة تلد قبل أن تُهِلَّ بالعمرة أو بالقِران ففرض عليها أن تغتسل وتُهِلَّ. انتهى.
وترجم بـ باب كيف يعتمد على الأرض إذا قام من الركعة؟ وليس في حديث الباب بيان كيفية الاعتماد، ولذا تكلف الشُّراح في إثبات الكيفية من الحديث ولا يثبت، فالأوجه عندي أنَّ الإمام البخاري لم يُرد بالباب إثبات الكيفية؛ بل أراد إثبات الاعتماد على الأرض فقط، وأما لفظ كيف فلمجرد التَّنبيه على اختلاف العلماء في كيفية الاعتماد.
وهكذا ترجم الإمام البخاري باب كيف حَوَّل النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ظهره إلى النَّاس وأتى فيه بحديث لا يدل على كيفية التَّحويل بل فيه ذكر التَّحويل فقط، ولذا اضطرب أقوال الشُّراح في إثبات الكيفية من الحديث، والأوجه عندي أنَّ المقصود بالتَّرجمة هو التَّحويل فقط وهو ثابت بالحديث نصًا، وأشار بلفظ كيف إلى الاختلاف الواقع في كيفية ذلك التَّحويل باعتبار وقته، فعند الصَّاحبين من الحنفية بعد الخطبتين، وعند الشَّافعية إذا مضى الثُّلث
ج 1 ص 48
من الخطبة الثَّانية، وعند المالكية في المشهور بعد الخطبتين، وقال الباجي: ختلف فيه قول مالك فذكر القولين في ذلك وعند الحنابلة خطبة الاستسقاء واحدة على الأصح ويستقبل القبلة في أثنائه، كما بسط اختلاف الأئمة في ذلك في «الأوجز» .
فالأوجه عندي أنَّ البخاري لم يُرد في ترجمته إثبات الكيفية حتى يضطر إلى إثباتها بالحديث، بل نبَّه بلفظ كيف على الاختلاف في الكيفية هل يُحوِّل ظهره في أثناء الخطبة أو بَعْدَها، عند الدُّعاء أو عند الخطبة وغير ذلك كما في «الأوجز» .
ونظير ذلك عندي قوله باب متى يقوم النَّاس إذا رَأَوا الإمام عند الإقامة وتحيَّر الشُّرَّاح في لفظ متى ههنا وأي معنى للسُّؤال؟ وقال شيخ المشايخ في «التَّراجم» أظهر تأويلات هذه التَّرجمة أن يقال: إن قوله إذا رَأَوا الإمام جواب متى يعني يقومون إذا رَأَوا الإمام عند الإقامة. انتهى.
ولا مراء في أنَّ ما أفاده الشَّيخ _قدس سره_ أقرب مما قالت الشُّرَّاح في ذلك، وعند هذا المبتلى بالسَّيِّئات والمعترف بالتَّقصيرات، الرَّاجي واهب الحسنات بدل السيِّئات، أنَّ لفظ متى ليس للإثبات حتى يحتاج إلى التَّوجيهات، بل التَّرجمة يقوم النَّاس ... إلى آخره وزاد لفظ متى كزيادة لفظ كيف تنبيهًا على الاختلاف الوارد في أنهم متى يقومون، مع الإقامة ومع رؤية الإمام أيضًا؟ فالمعروف عند المالكية من أول الإقامة، وعند الشَّافعية بعد تمام الإقامة، وعند الحنفية على قول المؤذِّن حي على الصَّلاة، وعند الحنابلة على قوله قد قامت الصَّلاة، كما بسطت تلك الأقوال في «الأوجز» عند قول الإمام مالك رضي الله عنه: لم أسمع فيه بحدٍّ إلَّا أني أرى ذلك على قدر طاقة النَّاس، فإنَّ منهم الثَّقِيل والخفيف ولا يستطيعون أن يكونوا كرجل واحد. انتهى.
وهكذا ترجم باب كيف الإشعار للميت وذكر فيه قال الحسن: الخِرْقة الخامسة قال الحافظ: وقول الحسن في الخِرْقة الخامسة قال به زفر، وقالت طائفة تُشَدُّ على صدرها لتُضَمَّ أكفانُها، وكان المصنِّف أشار إلى موافقة قول زفر. انتهى.
وذكر ابن عابدين الاختلاف في ذلك ثم قال: ومفاد هذه العبارات الاختلاف في عرضها، وفي محل وضعها، وفي زمانه، فتأمَّل [6] . انتهى.
وهكذا ذكر الاختلاف فيه غير الحنفية أيضًا، قال الموفق: فعلى قول الخرقي تشدُّ الخرقة على فخذيها أولًا، ثم تُؤْزَرُ بمِئْزَر [7] ... إلى آخره.
فالأوجه عندي: الإمامُ البخاري نبَّه بلفظ كيف على الاختلاف، فلا بدَّ للتدبُّر في الأبواب المبدوءة بلفظ كيف من الوقوف على اختلاف العلماء في كيفية هذه الأمور واختلاف الأئمَّة المجتهدين، رضي الله عنهم وشكر سعيهم، وخاطري أبو عذرة هذا الأصل.
ج 1 ص 49
[1] كذا في الأصل والمقصود «أو» والله أعلم.
[2] إرشاد الساري:1/ 357.
[3] شرح تراجم أبواب صحيح البخاري: ص 43.
[4] ما بين حاصرتين من فتح الباري، وقد وردت في الأصل: «إهلال النَّبي» وهو خطأ واضح لا وجه له، والله أعلم.
[5] فتح الباري:1/ 419.
[6] حاشية ابن عابدين:2/ 204.
[7] المغني لابن قدامة:2/ 351.