قال الحافظ:"اشتملت هذه الترجمة على ثلاثة أحكام، وأحاديث الباب ثلاثة موزعة عليها على الترتيب، فأمَّا إقْطَاعه صلى الله عليه وسلم من البَحْرَين فالحديث الأول دالٌّ على أنَّه صلى الله عليه وسلم همَّ بذلك، وأشار على الأنصار به مرارًا، فلما لم يقبلوا تركه، فنزَّل المصنِّف ما بالقوَّة منزِلَة ما بالفِعل، وهو في حقِّه صلى الله عليه وسلم واضح؛ لأنَّه لا يأمر إلَّا بما يجوز فعله، ... وتقدم في كتاب الشرب في الكلام على هذا الحديث: أنَّ المراد بإقطاعها للأنصار تخصِيْصُهم بما يتَحَصَّل من جِزيتها وخراجها لا تمليك رقبتها؛ لأنَّ أرض الصلح لا تُقْسَم ولا تُقْطَع بها، وأمَّا ما وعد من مال البحرين والجزية _وهو الجزء الثاني من الترجمة_ فحديث جابر دال عليه، ... وأمَّا مصرف الفيء والجزية _وهو الجزء الثالث من الترجمة_ فعطف الجزية على الفيء من عطف الخاص على العام؛ لأنَّها من جملة الفَيء _وقد مر تعريف الفيء_ وحديث أنس المعلق يُشعر بأنَّه راجع إلى نظر الإمام يفضِّل من شاء بما شاء، ... وتقدم في الخمس أنَّ مصرِف الجزية مصرف الفيء، وتقدم بيان الاختلاف في مصرف الفيء، وأنَّ المصنِّف يختار أنَّه إلى نظر الإمام"والله أعلم. انتهى.
قلت: وقال الحافظ في (باب فرض الخمس) "اختلف العلماء في مصرف الفَيء، فقال مالك: الفَيء والخُمس سواء يُجعلان في بيت المال، ويعطي الإمام أقارب النبي صلى الله عليه وسلم بحسب اجتهاده، وفرق الجمهور بين خمس الغنيمة وبين الفيء، فقالوا: الخُمس موضوع فيما عيَّنه الله تعالى فيه من الأصناف في آية الخُمس من سورة الأنفال لا يتعدى به إلى غيرهم، وأمَّا الفيء فهو الذي يرجع النظر في مصرفه إلى رأي الإمام بحسب المصلحة، وانفرد الشافعي كما قال ابن المنذر وغيره بأنَّ الفَيء يخمَّس، وأنَّ أربعة أخماسه للنبي صلى الله عليه وسلم وله خمس الخمس كما في الغنيمة، وأربعة أخماس الخمس لمستحق نظيرها من الغنيمة، وقال الجمهور: مصرف الفيء كله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، واحتجوا بقول عمر فكانت هذه لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة، وتأول الشافعي قول عمر المذكور بأنَّه يريد الأخماس الأربعة". انتهى.
وفي (( الدر المختار»: ومصرف الجزية والخراج ومال التغلبي وهديتهم للإمام، وما أخذ منهم بلا حرب، ومنه تركة ذمي، وما أخذه عاشر منهم مصَالِحُنَا كسد ثغور، وبناء قنطرة وجسر، وكفاية العلماء والمتعلمين والقضاة والعمال، ورزق المقاتلة وذراريهم، وهذا مصرف جزية وخراج. انتهى. وقال ابن قدامة:
ج 4 ص 820