وفي نسخة (باب الوضوء وما جاء ... إلى آخره) قال الحافظ: الوضُوء _بالضَّم_ الفعل، وبالفتح الماء الذي يتوضَّأ به على المشهور فيهما، وحكي في كل منهما الأمران. انتهى.
وأشار الإمام البخاري بقوله: (ما جاء) إلى اختلاف السَّلف في معنى الآية، فقال الأكثرون: التَّقدير: إذا قمتم إلى الصَّلاة محدثين، وقال الآخرون: الأمر على عمومه، إلَّا أنَّه في حقِّ المحدث وجوب وفي غيره ندب، وقال بعضهم: كان الإيجاب أوَّلًا، ثمَّ نسخ لحديث أحمد وأبي داود أنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام أمر بالوضوء لكلِّ صلاة، فلمَّا شقَّ عليه أمر بالسِّواك. انتهى من (( الفتح ) ).
قلت: يحتمل أنَّه إشارة إلى موجب الوضوء، واختلفوا فيه: قيل الحدث موسعًا، وقيل: هو مع القيام إلى الصَّلاة، ورجَّحه جماعة من الشَّافعيَّة، وقيل: القيام إلى الصَّلاة، وغير ذلك من الأقوال، ولا يُشْكِل عليه أنَّه سيأتي قريبًا في (باب من لم ير الوضوء إلَّا من المخرجين) ، لأنَّه اختلاف آخر كما سيأتي، ويحتمل أنَّه إشارة إلى اختلاف مبدأ الوضوء، فقيل: فُرض بالمدينة لأنَّ آية الوضوء مدنيَّة، وقيل: فُرض بمكة، ولا يُنْكر وجود الوضوء قبل الهجرة، ومن أنكر الوجوب حمله على النَّدب.
قوله: (قال أبو عبد الله: وبين عليه السَّلام ... إلى آخره) كما سيأتي في أبواب مستقلًّا، والغرض أنَّ قوله تعالى: {فَاغْسِلُوا} الآية [المائدة:6] مطلق عن العدد،
ج 2 ص 179
وبين عليه الصَّلاة والسَّلام أنَّ أقلَّه واحد، وأكثره ثلاث، كذا في العيني.
وكتب الشَّيخ في (( اللَّامع ) )هذا مع أنَّه لو لم يبيِّن لكان الأمر أيضًا كذلك، لأنَّ الأمر لا يقتضي التِّكرار، فليس غرضه أنَّ شرعية الإفراد على سبيل الفرض إنَّما علمت بالسُّنة، بل غرضه أنَّ الإفراد ثابت بالسُّنَّة أيضًا كما كان ثابتًا بالكتاب. انتهى.
وفي (( النُّور السَّاري ) )والمصنِّف جعل الآية ترجمة الباب، ولم يجيء بالحديث المسند ههنا لما أنَّ جميع ما في الوضوء ليس بخارج من هذه الآية، بل كله داخل فيها، فهذا الباب كأنَّه رأس الأبواب. انتهى.
وقال العيني: فإن قلت: المذكور في هذا الباب كله ترجمة، فأين الحديث؟ قلت: لا نسلم ذلك، لأنَّ قوله: وبين النَّبيِّ عليه الصَّلاة والسَّلام ... إلى آخره حديث، لأنَّ المراد من الحديث أعمُّ من أقوال الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم، غاية ما في الباب أنَّه ذكره على سبيل التَّعليق، وكذا قوله: وتوضَّأ أيضًا مرتين مرتين حديث لما ذكرنا، ولا شكَّ أنَّ كلًّا منهما بيان للسُّنَّة، وهو المقصود من الباب، وهذا الذي ذكرناه على ما وجد في بعض النُّسخ من ذكر لفظ الباب ههنا، وأمَّا على بعض النُّسخ التي ليس فيها ذكر لفظ الباب، فلا يحتاج إلى هذا التَّكلف. انتهى.
ج 2 ص 180