كتب الشَّيخ في (( اللَّامع ) )وكلمة (( في ) )دالَّة على كونها ظروفًا لفعله، سواء كان بجلوسه فيه كما فعله النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم، أو بحيث يقطر غسالته، فإنَّ ذلك نوع من الوضوء فيه، فإنَّك إذا توضَّأت في حوض بحيث يقطر الغسالة فيه فإنَّك تقول حينئذ توضَّأت في الحوض، وأمَّا الوضوء من المخضب والقدح فإنَّه لا يَصْدق إلَّا إذا كنت تأخذ الماء منه، ثمَّ تغسل العضو بحيث لا يعوده إلى الظَّرف ثانيًا، وذلك لما في كلمة (( من ) )من معنى الابتداء، وعلى هذا فلا تكرار في التَّرجمة كما يتوهم، فافهم واغتنم، ولكنَّه مفتقر إلى مزيد تدبُّر، لما أنَّ بعض ألفاظ الرِّوايات آبٍ عن ذلك.
وفي (( هامشه ) )قال الحافظ: الْمِخْضَب _بكسر الميم وسكون الخاء وفتح الضَّاد_ والمشهور أنَّه الإناء الذي يُغْسل فيه الثِّياب، من أي جنس كان، وقد يطلق على الإناء صغيرًا أو كبيرًا، والقَدَح أكثر ما يكون من الخشب مع ضيق فمه، وعَطْفُ الخشب على الحجارة ليس من عطف العامِّ على الخاصِّ، بل بينهما عموم وخصوص من وجه. انتهى.
وفي الكرماني قال ابن بطال: فائدة هذا الباب أنَّ الأواني كلها من جواهر الأرض ونباتها طاهرة إذا لم يكن فيها نجاسة. انتهى مختصرًا من (( هامش اللَّامع ) ).
وما أفاده الشَّيخ من قوله: (( فلا تكرار في التَّرجمة ) )أوضحه في (( هامش اللَّامع ) )إذ فيه: لله درُّ الشَّيخ ما أجاد في وقع توهُّم التِّكرار في هذه التَّرجمة الآتية من قوله: (باب الوُضُوء من التَّور) ، لأنَّ غرض الباب الأوَّل لما كان بيان طهارة الأواني لم تبق فاقة إلى ذكر الباب الآتي، ويقوي الإشكال ما قال العيني في الباب الأول، وقد وقع في بعض النُّسخ بعد قوله: والحجارة والتَّور _بفتح المثناة الفوقية_ قال الجوهري: هو إناء يشرب فيه، زاد المطَرِّزي: صغير، وفي تقرير المكِّي قوله: أي في الحديث تَور من صُفْر فيه تجريد، فإنَّ التَّور يكون من الحجارة. انتهى.
قلت: فإذا كان ذكر التَّور في الباب الأوَّل أيضًا، فلا يمكن التَّوقي عن التِّكرار إلَّا بما أفاده الشَّيخ، وعلى هذا فيندفع الإشكال الآخر عندي أيضًا، وهو ذكر حديث أنس في البابين معًا، فيؤوَّل بأنَّ ذكره في الباب الأوَّل باعتبار إدخاله صلَّى الله عليه وسلَّم يده الشَّريفة فيه، وذكره في الباب الثَّاني باعتبار توضُّؤ الصَّحابة رضي الله عنهم أجمعين، فتأمَّل وتشكر.
ولا يُشْكِل أنَّ
ج 2 ص 204
مجرَّد إدخال اليد في القدح لا يطلق عليه الوضوء في القدح، لأنَّ الإمام البخاري لم يفرِّق بين الاستعمال لأجل القربة وغيرها، كما تقدَّم قريبًا في كلام الشَّيخ، في (باب استعمال وضوء النَّاس) ولذلك ذكر حديث أبي موسى في الباب المذكور وفي هذا الباب الذي نحن بصدده، وهذا واضح، وعلى هذا فلا يُشكل بذكر حديث أبي موسى في البابين ويُدْفع به.
قال القسطلَّاني تبعًا للكرماني: إنَّ حديث أبي موسى المذكور في الباب لا مناسبة له بالتَّرجمة، وكذا ما قال السِّندي أمَّا حديث أبي موسى فلم يكن هناك وضوء أصلًا، بل هو استعمال في أعضاء الوضوء لا على وجه التَّوضئ. انتهى.
ج 2 ص 205