وتقدم في الفائدة الثَّالثة من الفصل الثَّاني ما قاله الحافظ في «مقدمة الفتح» في موضوع كتاب البخاري والكشف عن مغزاه فقال: تقرر أنَّه التزم فيه الصِّحة، وأنَّه أصل موضوعه، ثم رأى أن لا يُخْلِيه من الفوائد الفقهية والنُّكت الحكمية، فاستخرج بفهمه من المتون معاني كثيرة فرقها في أبواب الكتاب بحسب تناسبها، واعتنى فيها بآيات الأحكام فانتزع منها الدَّلالات البديعة، وسلك
ج 1 ص 13
في الإشارة إلى تفسيرها السُّبل الوسيعة.
قال الشَّيخ محيي الدِّين _نفع الله به_: ليس مقصود البخاري الاقتصار على الاحاديث فقط، بل مراده الاستنباط منها، والاستدلال لأبواب أرادها، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث، واقتصر فيه على قوله: فيه فلان عن النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم، أو نحو ذلك، وقد يذكر المتن بغير إسناد، وقد يورده معلقًا، وإنما يفعل هذا لأنَّه أراد الاحتجاج للمسألة الَّتي ترجم لها، وأشار إلى الحديث لكونه معلوما، وقد يكون مما تقدم وربما تقدم قريبًا [1] .
ويقع في كثير من أبوابه الأحاديث الكثيرة وفي بعضها ما فيه حديث واحد وفي بعضها ما فيه آية واحدة من كتاب الله وبعضها لا شيء فيه البتَّة، وقد ادعى بعضهم أنَّه صنع ذلك عمدا وغرضه أن يبين أنَّه لم يثبت عنده حديث بشرطه في معنى الَّذي ترجم عليه، ومن ثمة وقع من بعض من نسخ الكتاب ضم باب لم يذكر فيه حديث إلى حديث لم يذكر فيه باب، فأشكل فهمه على النَّاظر [2] .
وقد أوضح السَّبب في ذلك الإمام أبو الوليد الباجي المالكي في مقدمة كتابه في [3] أسماء رجال البخاري، فقال: أخبرني الحافظ أبو ذر عبد الرَّحيم بن أحمد الهروي، قال: حدثنا الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد المستملي، قال انتسخت كتاب البخاري من أصله الَّذي كان عند صاحبه محمد بن يوسف الفْرِبَرِيَّ، فرأيت فيه أشياء لم تتم، وأشياء مبيضة، منها تراجم لم يثبت بعدها شيئا، ومنها أحاديث لم يترجم لها، فأضفنا بعض ذلك إلى بعض. قال الباجي: ومما يدل [4] على صحة هذا القول أن رواية أبي إسحاق المستملي، ورواية أبي محمد السرخسي، ورواية أبي الهيثم الكمشيهني، ورواية أبي زيد المروزي، مختلفة بالتَّقديم والتَّأخير، مع أنهم انتسخوا من أصل واحد، وإنما ذلك بحسب ما قدر كل واحد منهم فيما كان في طرة أو رقعة مضافة أنَّه من موضع ما فأضافه إليه، ويبين ذلك أنَّك تجد ترجمتين واكثر من ذلك متصلة ليس بينها أحاديث، قال الباجي: وإنما أوردت هذه ههنا لما عنى به أهل بلدنا من طلب معنى يجمع بين التَّرجمة والحديث الَّذي يليها، وتكلفهم من ذلك من تعسف التاويل مالا يسوغ.
قال الحافظ: وهذه قاعدة [5] حسنة، يفزع إليها حيث يتعسر وجه الجمع بين التَّرجمة والحديث، وهي مواضع قليلة جدًا، ثم ظهر لي أن البخاري مع ذلك فيما يورده من تراجم الأبواب على أطوار إن وجد حديثا يناسب ذلك الباب ولو على وجه خفي ووافق شرطه أورده فيه بالصِّيغة الَّتي جعلها مصطلحة لموضوع كتابه، وهي حدثنا وما قام مقام ذلك والعنعنة بشرطها عنده، وإن لم يجد فيه إلَّا حديثا لا يوافق شرطه مع صلاحيته للحجَّة، كتبه في الباب مغايرًا للصِّيغة الَّتي يسوق
ج 1 ص 14
بها ما هو من شرطه ومن ثمَّ أورد التَّعاليق.
وإن لم يجد فيه حديثا صحيحا لا على شرطه ولا على شرط غيره، وكان مما يستأنس به ويقدمه قوم على القياس، استعمل لفظ ذلك ومعناه ترجمة باب، ثم أورد في ذلك إما آية من كتاب الله تشهد له أو حديثا يؤيد عموم ما دل عليه ذلك الخبر، وعلى هذا فالأحاديث الَّتي فيه على ثلاثة أقسام وسيأتي تفاصيل ذلك مشروحًا.
ثمَّ قال بعيد ذلك: ولنذكر ضابطًا يشتمل على بيان أنواع التَّراجم فيه، وهي ظاهرة وخفية أما الظاهرة، فليس ذكرها من غرضنا ههنا، وهي أن تكون التَّرجمة دالَّة بالمطابقة لما يورد في مضمنها، وإنما فائدتها الإعلام بما ورد في ذلك الباب، من غير اعتبار لمقدار تلك الفائدة، كأنه يقول: هذا الباب الَّذي فيه كيت وكيت أو باب ذكر الدَّليل على الحكم الفلاني مثلًا.
1 ـ وقد تكون التَّرجمة بلفظ المترجم له أو بعضه أو بمعناه، وهذا في الغالب قد يأتي من ذلك ما يكون في لفظ التَّرجمة احتمال لأكثر من معنى واحد، فيعين أحد الاحتمالين بما ذكر تحتها من الحديث.
2 ـ وقد يوجد فيه ما هو بالعكس من ذلك، بأن يكون الاحتمال في الحديث، والتَّعيين في التَّرجمة، والتَّرجمة ههنا بيان لتأويل ذلك الحديث، نائبة مناب قول الفقيه مثلًا: المراد بهذا الحديث العام المخصوص، أو بهذا الحديث الخاص العموم إشعارًا بالقياس لوجود العلة الجامعة أو إن ذلك الخاص المراد به ما هو أعم مما يدل عليه ظاهره بطريق الأعلى أو الأدنى ويأتي في المطلق والمقيد نظير ما ذكرنا في الخاص والعام، وكذا في شرح المشكل وتفسير الغامض، وتأويل الظَّاهر وتفصيل المجمل، وهذا الموضع هو معظم ما يشكل من تراجم هذا الكتاب، ولهذا اشتهر من قول جمع من الفضلاء: «فقه البخاري في تراجمه» .
3 ـ وأكثر ما يفعل البخاري ذلك إذا لم يجد حديثًا على شرطه في الباب ظاهر المعنى في المقصد الَّذي ترجم به ويستنبط الفقه منه.
4 ـ وقد يفعل ذلك لغرض شحذ الأذهان في إظهار مضمره واستخراج خبيئه.
5 ـ وكثيرًا ما يفعل _ذلك أي هذا الأخير [6] _ حيث يذكر الحديث المفسر لذلك في موضع آخر متقدمًا أو متأخرًا، فكأنه يحيل عليه ويومئ بالرَّمز والإشارة إليه.
6 ـ وكثيرًا ما يترجم بلفظ الاستفهام [7] ، كقوله: باب هل يكون كذا؟ ومن [8] قال كذا؟ ونحو ذلك، حينئذ [9] لا يتجه له الجزم بأحد الاحتمالين، وغرضه بيان هل يثبت ذلك الحكم أو لم يثبت؟ فيترجم على الحكم، ومراده ما يتفسر [10] بعد من إثباته أو نفيه أو أنَّه محتمل لهما.
7 ـ وربما كان أحد الاحتمالين أظهر، وغرضه أن يبقى للنَّظر مجالًا، وينبه على أن هناك احتمالًا أو تعارضًا يوجب التَّوقف، حيث يعتقد أن فيه إجمالًا أو يكون المدرك مختلفًا في الاستدلال به.
8 ـ وكثيرًا ما يترجم بأمر ظاهر قليل الجدوى، لكنَّه إذا حققه المتأمِّل أجدى، كقوله: «باب قول الرَّجل: ما صلَّينا» فإنَّه أشار به إلى الرَّدِّ على من كره ذلك، ومنه قوله: باب قول الرَّجل: «فاتتنا الصَّلاة» وأشار بذلك إلى الرَّد على من كره إطلاق هذا القول.
9 ـ وكثيرًا ما يترجم بأمر مختص ببعض الوقائع لا يظهر في بادئ الرَّأي، كقوله: «باب استياك الإمام بحضرة رعيَّته» فإنه لما كان الاستياك قد يظن أنَّه من أفعال المهنة فلعل بعض النَّاس يتوهم أن إخفاءه أولى مراعاة للمروءة، فلما وقع في الحديث أن النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم
ج 1 ص 15
استاك بحضرة النَّاس، دلَّ على أنَّه من باب التَّطيب لا من الباب الآخر، نبه على ذلك ابن دقيق العيد [11] .
10 ـ وكثيرًا ما يترجم بلفظ يومئ إلى معنى حديث لم يصح على شرطه أو يأتي بلفظ الحديث الَّذي لم يصح على شرطه صريحًا في التَّرجمة ويورد في الباب ما يؤدي معناه تارة بأمر ظاهر وتارة بأمر خفي، من ذلك قوله: «باب الأمراء من قريش» وهذا لفظ حديث يروى عن علي وليس على شرط البخاري، وأورد فيه حديث «لا يزال وال من قريش» ومنها قوله: «باب اثنان فما فوقهما جماعة» وهذا حديث يروى عن أبي موسى الأشعري وليس على شرط البخاري، وأورد فيه فَأَذِّنَا وَأَقِيمَا.
11 ـ وربما اكتفى أحيانًا بلفظ التَّرجمة الَّتي هي لفظ حديث لم يصح على شرطه وأورد معهما أثرًا أو آية: فكأنَّه يقول: لم يصح في الباب شيء على شرطي.
وللغفلة عن هذه المقاصد الدَّقيقة اعتقد من لم يمعن النَّظر أنَّه ترك الكتاب بلا تبييض، ومن تأمَّل ظفر ومن جدَّ وجد. انتهى.
وذكر الحافظ في بادئ الرَّأي أحد عشر أصلًا [12] في كلامه هذا، لكنَّه يتضمن أكثر من إحدى عشرة؛ كما يظهر في الفائدة الثَّالثة.
وحكى كلامَ الحافظ هذا القسطلَّانيُ في مقدمته سواء مع التَّغير في حرف، وزيادة قول، نبَّهت عليهما في الحاشية، زاد القسطلَّاني في آخره: وللغفلة عن هذه المقاصد الدَّقيقة اعتقد من لم يمعن النَّظر أنَّه ترك الكتاب بلا تمييز [13] ، وبالجملة فتراجمه حيرت الأفكار وأدهشت العقول والأبصار ولقد أجاد القائل:
~أَعْيَا فُحُولَ العِلْمِ حَلُّ رُمُوزِ مَا أبْدَاه فِي الأَبْوابِ مِنْ أَسْرار
وإنما بلغت هذه المرتبة وفازت بهذه المنقبة لما روي «أنَّه بيضها بين قبر النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم ومنبره وأنَّه كان يصلي لكل ترجمة ركعتين» . انتهى.
وقال السَّندي في أول شرحه: اعلم أن تراجم الصَّحيح على قسمين: قسم يذكره للاستدلال بحديث الباب عليه، وقسم يذكره ليُجعل كالشرح لحديث الباب، ويبين به محمل حديث الباب مثلًا، لكون حديث الباب مطلقًا قد عُلم تقييده بأحاديث أخر، فيأتي بالتَّرجمة مقيدة لا ليستدل عليها بالحديث المطلق؛ بل ليبين أن محمل الحديث هو المقيد، فصارت [14] التَّرجمة كالشَّرح للحديث، والشُّراح جعلوا الأحاديث كلها دلائل لما في التَّرجمة فأشكل عليهم الأمر في مواضع، ولو جعلوا بعض التَّراجم كالشَّرح خلصوا عن الإشكال في مواضع، وأيضًا كثيرًا [15] ما يذكر بعد التَّرجمة آثارا لأدنى خاصية الباب، وكثير من الشُّراح يرونها دلائل للتَّرجمة فيأتون بتكلفات باردة لتصحيح الاستدلال بها على التَّرجمة، فإن عجزوا عن وجه الاستدلال عدوه اعتراضًا على صاحب الصَّحيح، والاعتراض في الحقيقة متوجه عليهم؛ حيث لم يفهموا المقصود، وأيضًا كثيرًا ما يكون ظاهر [16] التَّرجمة معنى فيحملون التَّرجمة عليه، والحديث لا يوافقه، فيعدون ذلك إيرادًا على صاحب الصَّحيح [17] مع أنَّه قصد معنى يوافقه الحديث قطعًا وقد يكون معنى التَّرجمة ما فهموا، ولكن تطبيق الحديث به يحتاج إلى فضل تدقيق، فكثيرًا ما يغفلون عنه ويعدونه اعتراضًا وأنت إذا حفظت وراعيت
ج 1 ص 16
ما ذكرنا لك يسهل عليك مواضع عديدة مما صعبت عليهم [18] . انتهى.
وقال الكرماني في أول شرحه: وبينت _أي في شرحي_ مناسبة الأحاديث الَّتي في كل باب لما ترجم عليه، ومطابقتها بما عُقد له وأُشير إليه، وهو قسم عجز عنه الفحول البوازل في الأعصار، والعلماء الأفاضل في الأمصار، فتركوها واعتذروا عنها بأعذار، من جملتها ما قال القاضي أبو الوليد الباجي ... _فذكر كلامه المذكور قريبًا في كلام الحافظ ابن حجر_
ثم قال الكرماني: والبخاري وإن كان من أعلم النَّاس بصحيح الحديث وسقيمه فليس ذلك من علم المعاني وتحقيق الألفاظ بسبيل، كيف وفيها روى أبو إسحاق العلَّة في ذلك _كما تقدم في كلام الباجي_ وبَيَّنَها، أن الحديث الَّذي يلي التَّرجمة ليس بموضوع لها، وإنما هو موضوع ليأتي قبل ذلك بترجمته، ويأتي للتَّرجمة الَّتي قبله من الحديث بما يليق بها [19] . انتهى.
وذكر شيخ مشايخنا الشَّاه ولي الله الدُّهلوي في أول رسالته في التَّراجم أصولًا بالإجمال وهذا نصه فقال بعد الحمد والصَّلاة: يقول الفقير إلى رحمة الله الكريم، أحمد المدعو بولي الله بن عبد الرَّحيم، كان الله لهما: أول ما صنف أهل الحديث في علم الحديث جعلوه مدونًا في أربعة فنون:
1 -فن السُّنة: أعني الَّذي يقال له الفقه مثل موطأ مالك، وجامع سفيان.
2 -وفن التَّفسير: مثل كتاب ابن جريج.
3 -وفن السِّير: مثل كتاب محمد بن إسحاق.
4 -وفن الزُّهد والرِّقاق: مثل كتاب ابن المبارك.
فأراد البخاري أن يجمع الفنون الأربعة في كتاب، ويجرده لما حكم له العلماء بالصِّحة قبل البخاري وفي زمانه، ويجرده للحديث المرفوع المسند، وما فيه من الآثار وغيرها إنما جاء به تبعًا لا بأصالة، ولهذا سمى كتابه بـ «الجامع الصَّحيح المسند» وإنما أراد أيضًا أن يفرغ جهده في الاستنباط من حديث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، ويستنبط من كل حديث مسائل كثيرة جدا، وهذا أمر لم يسبقه إليه غيره، غير أنَّه استحسن أن يفرق الأحاديث في الأبواب، ويودع في تراجم الأبواب سر الاستنباط، وجملة تراجم أبوابه تنقسم أقسامًا:
1 ـ منها أنَّه يترجم بحديث مرفوع ليس على شروطه، ويذكر في الباب حديثًا شاهدًا له على شرطه.
2 ـ ومنها أنَّه يترجم بمسألة استنباطها من الحديث بنحو من الاستنباط من نصه، أو إشارته، أو عمومه، أو إيمائه.
3 ـ ومنها أنَّه يترجم بمذهب من ذهب إليه قبل، ويذكر في الباب ما يدل عليه بنحو من الدَّلالة، ويكون شاهدًا له في الجملة من غير قطع بترجيح ذلك المذهب فيقول: باب من قال كذا.
4 ـ ومنها أنَّه يترجم بمسألة اختلف فيها الأحاديث، فيأتي بتلك الأحاديث على اختلافها ليقرب إلى الفقيه من بعده أمرها، مثاله باب خُروجِ النِّسَاء إلى البَراز جمع فيه حديثين مختلفين.
5 ـ ومنها أنَّه قد تتعارض الأدلة، ويكون عند البخاري وجه التَّطبيق بينهما بحمل كل واحد على محمل، فيترجم بذلك المحمل إشارة إلى وجه التَّطبيق، مثاله باب خَوف المؤمِن أنْ يَحْبَطَ عَمَلُه ... وما يُحْذَر من الإصْرار عَلَى التَّقَاتُل والعِصْيَان [20] ذكر فيه حديث «سِبَاب المُسْلِمِ فُسُوق وَقِتَالُه كُفْر» .
6 ـ ومنها أنَّه قد يجمع في باب أحاديث كثيرة كل واحد منها يدل على التَّرجمة، ثم يظهر له في حديث واحد فائدة أخرى سوى الفائدة المترجم عليها، ويعلم على ذلك الحديث علامة الباب، وليس غرضه أن الباب الأوَّل قد انقضى بما فيه وجاء الباب الآخر برأسه، ولكنَّ قوله باب هنالك بمنزلة ما يكتب أهل العلم على الفائدة المهمة لفظ تنبيه، أو لفظ فائدة أو لفظ قف.
مثاله: قوله في كتاب بدء الخلق باب قول الله تعالى: {وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ} [البقرة:164] ، [لقمان:10] ثمَّ قال بعد أسطر باب خَير مَال المُسْلِم غَنَم يَتْبَع بِهَا شَعَفَ الجِبَال وأخرج هذا الحديث بسنده، ثمَّ ذكر حديث «والفَخْر والخُيَلاء فِي أهْل الخَيْل» ثمَّ ما ليس فيه؛ ذَكَر الغَنَم، فكأنَّه أعلم على هذا الحديث بأنَّه مع دخوله في الباب فيه فائدة أخرى مع منقبة للغنم.
ج 1 ص 17
7 ـ ومنها أنَّه قد يكتب لفظة باب مكان قول المحدثين وبهذا الإسناد وذلك حيث جاء حديثان بإسناد واحد كما يكتب ح حيث جاء حديث بإسنادين، مثاله باب ذِكْر المَلائِكَة أطال فيه الكلام حتى أخرج حديث «المَلائِكَةُ يَتَعاقَبُون مَلائِكَةٌ باللَّيل ومَلائِكَةٌ بالنَّهار» برواية شعيب، عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، ثم كتب باب إذا قَالَ [أحَدُكُم] آمين والملائِكَةُ في السَّماء آمين فَوافَقَت إِحْدَاهما الأخرى غُفِرَ له ما تَقَدَّم من ذَنْبِه ثمَّ أخرج حديث «أنَّ الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة» ثمَّ ما ليس فيه ذكر آمين إلَّا بعد كثير، قال الإسماعيلي في موضع الباب: وبهذا الإسناد كأنَّه يشير إلى أنَّ لفظة باب علامة لقوله: وبهذا الإسناد.
8 ـ ومنها أنَّه قد يترجم بمذهب بعض النَّاس، وبما كاد يذهب إليه بعضهم، أو بحديث لم يثبت عنده، ثم يأتي بحديث يستدل به على خلاف ذلك المذهب والحديث، إمَّا بعمومه أو غير ذلك.
9 ـ ومنها أنَّه يذهب في كثير من التَّراجم إلى طريقة أهل السِّير في استنباطهم خصوصيات الوقائع والأحوال من إشارة طُرُق الحديث، وربَّما يتَعَجَّب الفقيه من ذلك لعدم ممارسته لهذا الفنِّ، ولكنَّ أهل السِّير لهم اعتناء شديد بمعرفة تلك الخصوصيات.
10 ـ ومنها أنَّه يقصد التَّمرن على ذكر الحديث وفق المسألة المطلوبة، ويهدي طالب الحديث على هذا النَّوع، مثاله: ذكر الصُّوَّاغ في باب ذكر الحناط وقد فرق البخاري في تراجم الأبواب علمًا كثيرًا من شرح غريب القرآن وذكر آثار الصَّحابة والأحاديث المعلقة.
11 ـ وقد يذكر حديثا لا يدلُّ هو بنفسه على التَّرجمة أصلًا، لكنَّ له طرق، وبعض طرقه يدلُّ عليها إشارة أو عمومًا، وقد أشار بذكر الحديث إلى أنَّ له أصلًا صحيحًا يتأكد به ذلك الطَّريق، ومثل هذا لا ينتفع به إلَّا المهرة من أهل الحديث.
12 ـ وكثيرًا ما يترجم لأمر ظاهره قليل الجدوى؛ ولكنَّه إذا تحقق المتأمل أجدى، كقوله: باب قَول الرَّجل مَا صَلَّينا فإنَّه أشار به إلى الرَّد على من كَرِه ذلك، قلت: «وأكثر ذلك تعقبات وتبكيتات على عبد الرَّزاق وابن أبي شيبة في تراجم «مصنفيهما» إذ شواهد الآثار تروى عن الصَّحابة والتَّابعين في مصنفيهما، ومثل هذا لا ينتفع به إلَّا من مارس الكتابين وأطلَّع على ما فيهما».
13 ـ وكثيرًا ما يستخرج الآداب المفهومة بالعقل من الكتاب والسُّنة بنحو من الاستدلال والعادات الكائنة في زمانه صلَّى الله عليه وسلَّم، ومثل هذا لا يُدرِك حُسْنَه إلَّا من مارس كتب الآداب، وأجال عقله في ميدان آداب قومه، ثمَّ طلب لها أصلًا من السُّنة.
14 ـ وكثيرًا ما يأتي بشواهد الحديث من الآيات، ومن شواهد الآية بالأحاديث، تظاهرا ولتعين بعض المجملات دون البعض، فيكون كقول المحدِّث: «المراد بهذا العام الخصوص، أو بهذا الخاص العموم» ونحو ذلك، ومثل هذا لا يدرك إلَّا بفهم ثاقب وقلب حاضر.
فهذه مقدِّمة لابد من حفظها لمن أراد أن يقرأ البخاري ويفهم والحمد لله أولًا وآخرًا [21] . انتهى كلام شيخ المشايخ.
وذكر حضرة شيخ الهند _قدَّس سرَّه_ خمسة عشر أصلًا بالبسط في اللُّغة الأردية في مبدأ تراجمه يأتي بيانها في الفائدة الثَّالثة مفصلًا مُعَرَّبًا، وذكر في آخرها عدة أصول في العربية وهذا نصه فقال:
اعلم أنَّ المؤلِّف _رحمه الله_ مرة يصرِّح بالتَّرجمة لكنَّ غرضه لا يكون ظاهر العبارة؛ بل ما يثبت بالالتزام أو بالإشارة جليًا كان أو خفيًا، يظهر مقصوده بعد التَّأمل في أحاديث الباب، فمن لم يتأمل وقَصَر على الظَّاهر يقع في التَّكلف والتَّخبط، مثلًا قال _رحمه الله_: باب من أَدْرَك رَكْعَة من العصر قبل الغروب وذكر فيه حديث استئجار أهل الكتابين، واستئجار هذه الأمة، فأشكل التَّطبيق على الشُّراح، وتكلفوا فيه، والتَّحقيق أن غرض المؤلف من هذه التَّرجمة بيان آخر وقت العصر، فظهر التَّطبيق فافهم، ولو قال: باب تأخير العصر
ج 1 ص 18
إلى الغروب كما صرح في الصَّفحة السَّابقة باب تأخير الظُّهر إلى العصر ما تَكَلَّف أحد هذه التَّكلفات البعيدة.
وهكذا قال بعد ورقة باب من أدرك من الفجر ركعة فالمقصود منه أيضًا بيان آخر وقت الفجر، لا ظاهر التَّرجمة. والله أعلم.
وهكذا قال في محل آخر: باب ما يقول بعد التَّكبير وأدخل فيه حديث الكسوف أيضًا فأشكل التَّوفيق فتكلفوا، والوجه عندنا أن بعد التَّأمل في أحاديث الباب يفهم أن غرض المؤلف من هذا الباب إثبات التَّوسع في دعاء الافتتاح، وتركه رأسًا، وعدم تعيين الدُّعاء المخصوص لزومًا، وأن الدُّعاء ثابت بعد التَّكبير متصلًا ومنفصلًا، فحينئذ ينطبق جميع الأحاديث المذكورة في الباب فافهم _والله أعلم_ وليس غرضه من هذا الباب تعيين الدُّعاء.
وتارة يذكر الباب [22] بلا ترجمة، ويذكر فيه حديثًا، فالشُّراح يذكرون في مثل هذا المقام احتمالات، أكثرها بعيدة عن شأن المؤَلِّف والمؤَلَّف كليهما، كما لا يخفى على المهرة، وأحسن أعذارهم أنَّه كالفصل من الباب السابق، لكنَّ هذا العذر أيضًا لا يتمشى في بعض المواضع.
مثلًا: قال في الأبواب المتعلقة بأحكام البول: باب من الكَبَائر أنْ لا يَسْتَتِر مِنْ بَوْله وذكر فيه حديث إنسانين يعذبان في قبورهما، ثم قال بعده: باب ما جاء في غسل البول وذكر في التَّرجمة هذا الحديث، ثم بعد ذلك الباب قال: باب بلا ترجمة، وذكر فيه هذا الحديث أيضًا، فكيف يقال إنَّه كالفصل من الباب، لأن هذا يمكن إذا كان الثَّاني مغايرا للأول بوجه، وههنا لا تغاير أصلا، فافهم.
وعندنا لا بد أن يقال: إن المؤلف أحيانا يترك التَّرجمة عمدا، ويذكر حديثا، ومقصوده أني أخرجت من هذا الحديث حكما أو أحكاما، فينبغي أن تخرجوا منه حكما غير ذلك، بشرط أن يكون مناسبًا لتلك الأبواب، ويفعل هكذا تشحيذا للأذهان، وتنبيها وإيقاظا للنَّاظرين، كما هو دأبه في أمور كثيرة، فعندنا والله أعلم هذا الاحتمال أقوى وأليق وأنفع مهما أمكن، نعم، إذا كان مانع منه في موضع فلا بد أن يتوجهوا إلى احتمال آخر يناسب ذلك المقام، فعلى هذا يقال ههنا مثلا: ينبغي أن تكون التَّرجمة كون البول موجبًا لعذاب القبر وما يماثلها، والله أعلم.
لا يقال إن في أبواب القبر يقول: باب عذاب القبر من الغيبة والبول فيتكرر التَّرجمة، لأنا نقول المقصود هناك بيان حكم القبر، وههنا المقصود ذكر حكم البول، فأين التكرار؟
ونظائره كثيرة عند المؤلِّف لا تخفى على النَّاظرين، مثلا قال في أبواب الإيمان: أدَاء الخُمُس من الإيمان ثم قال في أبواب الخُمُس من الدِّين.
وهكذا قال المؤلف في أبواب التَّيمم باب بلا ترجمة، ثم ذكر حديث عمران بن حصين رضي الله عنه «أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم رأى رجلا معتزلا لم يصل في القوم، فقال: يا فلان، ما منعك أن تصلي في القوم؟ فقال: يا رسول الله، أصابتني جنابة ولا ماء، قال: عليك بالصَّعيد فإنَّه يكفيك»
فعلى ما ذكرنا سابقا يفهم من التَّراجم المذكورة في هذه الأبواب، أن التَّرجمة ههنا ينبغي أن تكون إذا لم يجد الجُنُب الماء يتيمم ولا حاجة إلى سهو النَّاسخين أو عدم توفيق المؤلف _رحمه الله_.
وتارة يذكر بابًا مع التَّرجمة [23] لكن لا يذكر حديثا، عكس الصُّورة الأولى، وفيه وجهان: مرة يذكر تحت التَّرجمة آية أو حديثا، أو قولا من الصَّحابة والتَّابعين دالا على التَّرجمة، وهو كثير.
ومرة لا يذكر شيئا منها أيضًا، كما لا يذكر حديثا مسندًا، بل يذكر التَّرجمة فقط، فيحمله الشُّراح على سهو النَّاسخين، أو سهو المؤلِّف، أو عدم تيسير إرادته بوجه من الوجوه، ولا يخفى استبعاده، والتَّحقيق عندنا في هذه المواضع التَّفصيل:
أما الصُّورة الأولى: فظاهر أن التَّرجمة مدللة بالآية أو الحديث أو غيرهما المذكور في ذيل التَّرجمة، فالتَّرجمة تثبت ما تركها غير ثابتة، واكتفى المؤلف بهذا القدر بوجه ما، إما لأن حديثا على شرط المؤلف ليس عنده، وإما لقصد التَّمرين.
ج 1 ص 19
وأما الصُّورة الثَّانية: فلا يختارها المؤلف إلَّا في موضع يكون دليل التَّرجمة مذكورا قبلها في الباب السابق أو بعدها، مع أن هذه الصُّورة قليلة جدا، فلا تكون التَّرجمة غير ثابتة، بل ثابتة بالدَّليل المذكور في الكتاب، وإن لم يُذْكر مع التَّرجمة، لقصد التَّمرين والتَّنبيه وغيرها من الأسباب، نعم وجدنا في جملة الكتاب بابًا أو بابين جعل _رحمه الله_ الآية فيه ترجمة، واكتفى بها، لم يذكر معها حديثا، ولا قولا.
فالأولى أن يقال لما جعل التَّرجمة آية القرآن _وهو دليل فوق جميع الأدلَّة، فهذه التَّرجمة دعوى دليلها معها_ لا يحتاج إلى دليل آخر، فاكتفى بها، فلا يقال: الدعوى بقيت بلا دليل، ولا يحتاج إلى أن يجعل حديثا أو قولا _المذكور في الأبواب السَّابقة أو اللَّاحقة_ دليلا لها، فالله أعلم. هذا ما عندنا من التَّفصيل فعليك بالتَّأمل الصَّادق، والإنصاف اللَّائق، فإن كان حقا فمن العزيز الرَّحيم، وإلَّا فمني ومن الشَّيطان الرَّجيم. انتهى.
وأشار الكرماني في مواضع من شرحه أن الإمام البخاري يقتفي مشايخه في تراجم صحيحه، وتَعَقَّبه الحافظ في الفتح ورد عليه في باب طرح الإمام المسألة إذ قال: وأما دعوى الكرماني لمراعاة صنيع مشايخه في تراجم مصنفاتهم؛ فإنها غير مقبولة، ولم نجد عن أحد ممن عرف حال البخاري وسعة علمه وجودة تصرفه حكى أنَّه كان يقلد في التَّراجم، ولو كان كذلك لم يكن له مزية على غيره، وقد توارد النَّقل عن كثير من الأئمة أنَّ من جملة ما امتاز به كتاب البخاري دقة نظره في تصرفه في تراجم أبوابه، والَّذي ادعاه الكرماني يقتضي أنَّه لا مزية له في ذلك؛ لأنَّه مقلد فيه لمشايخه، وأعاد الكرماني هذا الكلام في «شرحه» مرارا ولم أجد له سلفا في ذلك، والله المستعان. انتهى مختصرًا.
ج 1 ص 20
[1] التلخيص شرح الجامع الصحيح: ص 231.
[2] مقدمة فتح الباري: ص 8.
[3] هامش من الأصل: «سماه الكرماني في أول شرحه كتاب التعديل والتجريح لرجال البخاري» .
[4] هامش من الأصل: «ويشكل عليه أن ما تقدم من كلام المستملي لا يدل على التقديم والتأخير بل يدل على ضم أبواب بعضها إلى بعض بدون ترك البياض نعم يوافقه ما حكى شيخ المشايخ في تراجمه في باب إذا لم يتم السجود نقل عن الضريري كذا في الأصل والصواب على الظاهر الفربري أن بعض أوراق الكتاب كان غير ملتصق بالكتاب فوقع الخطأ في بعض النساخ في إلحاق تلك الأوراق فالحقوها في غير محلها إلى آخر ما قال» .
[5] هامش من الأصل: «قلت وأورد عليها القسطلَّاني في مقدمة شرحه إذ قال وهذا الذي قاله الباجي فيه نظر من حيث أن الكتاب قرئ على مؤلفه ولا ريب أنه لم يقرأ عليه إلا مرتبًا مبوبًا فالعبرة بالرواية لا بالمسودة الَّتي ذكر صفتها. انتهى. وسيأتي كلام الباجي هذا في الفائدة الرابعة أيضا» .
[6] هامش من الأصل: «يريد تفسير الغامض وتأويل الظاهر كذا في شرح مقدمة القسطلَّاني وسيأتي ذلك في الأصل السابع والعشرين» .
[7] هامش من الأصل: «سيأتي ذلك في الأصل الثاني والثلاثين» .
[8] هامش من الأصل: «سيأتي هذا في الأصل الثالث» .
[9] في الفتح: «حيث» .
[10] هامش من الأصل: «كذا في الأصل وفي مقدمة القسطلَّاني بدله ما يفسر وهو أوضح» .
[11] هامش من الأصل: «زاد في مقدمة القسطلَّاني بعد ذلك قال الحافظ ابن حجر ولم أر هذا في البخاري فكأنه ذكره على سبيل المثال. انتهى. هكذا فيه وليس هذا الكلام في مقدمة الفتح الَّتي بأيدينا والكلام صحيح فإن هذه التَّرجمة لم أرها أيضًا في البخاري نعم ترجم النسائي في سننه باب هل يستاك الإمام بحضرة رعيته. انتهى. وسيأتي البسط في ذلك في الأصل الرابع والخمسين» .
[12] ما ذكره المؤلف من الأصول الإحدى عشرة من أصول التراجم منقولة من مقدمة فتح الباري ص 13 وما بعدها.
[13] في إرشاد الساري: «بلا تبييض» ، إرشاد الساري: ج 1/ص 24.
[14] هامش من الأصل: «هو الأصل الثالث والعشرون من الأصول الآتية في الفائدة الثالثة» .
[15] هامش من الأصل: «هذا هو الأصل الرابع والعشرون» .
[16] هامش من الأصل: «كذا فيه» .
[17] هامش من الأصل: «هذا هو الأصل الرابع والخامس من أصول شيخ الهند الآتية في الفائدة الثالثة» .
[18] حاشية السندي: ج 1/ص 1.
[19] الكواكب الدراري: ج 1/ص 5.
[20] كذا في الأصل وفي الصحيح: «وَمَا يُحْذَرُ مِنَ الإِصْرَارِ عَلَى النِّفَاقِ وَالعِصْيَانِ» .
[21] مقدمة شرح تراجم البخاري لشاه ولي الله، ص 2 وما بعدها.
[22] سيأتي في الأصل الخامس والعشرين 12.
[23] يأتي في الأصل السابع والعشرين 12.