ما هو المعروف في الشُّروح جُلَّة، وعلى ألسنة المشايخ قاطبة: أنَّ ما يذكره البخاري في تراجمه بصيغة التَّمْريض؛ إشارة إلى ضعفه.
قال النَّووي في مبدأ «شرحه» : قال العلماء المحقِّقون من المحدِّثين وغيرهم: إذا كان الحديث ضعيفًا لا يقال فيه قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، أو فَعَل، أو أمر، أو نهى، أو شبَّه ذلك من صيغ الجزم.
وكذا لا يقال روى أبو هريرة رضي الله عنه، أو ذكر، أو قال، أو شبَّه ذلك.
وكذا لا يقال ذلك في التَّابعين ومن بعدهم فيما كان ضعيفًا، فلا يقال شيءٌ من ذلك بصيغة الجزم، وإنَّما يقال في الضَّعيف بصيغة التَّمريض فيقال: رُويَ عنه، أو نُقل، أو ذُكر، أو يُروى، أو يُحكى، أو جاء عنه، أو بلغنا عنه.
قالوا: وإذا كان الحديث أو غيره صحيحًا أو حسنًا عُيِّنَ المضاف إليه بصيغة الجزم.
ودليل ذلك أنَّ صيغة الجزم تقتضي صِحَّته عن المضاف إليه، فلا يطلق إلَّا على ما صحَّ، وإلَّا فيكون في معنى الكاذب، وهذا التَّفصيل مما يتركه كثير من المصنِّفين في الفقه والحديث وغيرهما، وقد اشتد إنكار الامام البيهقي على من خالف هذا من العلماء.
وهذا التَّساهل من فاعله قبيح جدًا، فإنَّهم يقولون في الصَّحيح بصيغة التَّمريض وفي الضَّعيف بالجزم وهذا حَيْدٌ عن الصَّواب.
وقد اعتنى البخاري رضي الله عنه بهذا التَّفصيل في صحيحه فيقول في التَّرجمة الواحدة: بعضَ كلامه بتمريض، وبعضَه بجزم، مُراعيًا ما ذكرنا، وهذا مما يزيدك اعتقادًا في جلالته وتحرِّيه وورعه واطِّلاعه وتحقيقه واتقانه [1] . انتهى.
قلت: هذا هو المعروف في عامة الشُّروح لكن الحافظ في «مقدِّمته» بسط الكلام على ذلك الأصل بسطًا كثيرًا لا يسعه هذا المختصر، وذكر عدة أمثلة للأنواع المختلفة من الجزم والتَّمريض وبسط الكلام عليهما.
وقال في باب الرَّجل يأتمُّ بالإمَام: قوله: ويُذكر عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم «ائتمُّوا بِي» . الحديث. هذا طرف من حديث أبي سعيد الخدريِّ قال: «رأى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في أصحابه تأخُّرًا» ، الحديث. أخرجه مسلم وأصحاب السُّنن. قيل: وإنَّما ذكره البخاري بصيغة التَّمريض لأنَّ أبا نَضْرَة ليس على شرطه لضعف فيه، وهذا عندي ليس بصواب، لأنَّه لا يلزم من كونه على شرطه أنَّه لا يَصْلُح عنده للاحتجاج به، بل قد يكون صالحًا للاحتجاج به عنده وليس على شرط صحيحه، الَّذي هو أعلى شروط الصِّحة.
والحق أنَّ هذه الصِّيغة لا تختص بالضَّعيف، بل قد تُسْتَعمل في الصَّحيح أيضًا، بخلاف صيغة الجزم فإنَّها لا تُسْتَعمل إلَّا في الصَّحيح. انتهى.
ج 1 ص 44
وتعقَّب العيني إذ قال: قال الكرماني: ويُذكر تعليق بلفظ التَّمريض _ثم ذكر العيني قول الحافظ ثم قال_ قلت: وهذا الَّذي ذكره يخرم قاعدته، لأنَّه إذا لم يكن على شرطه كيف يَحتَجُّ به؟ وإلَّا فلا فائدة لذلك الشَّرط. إلى آخر ما ذكر.
والجملة أنَّ المعروف عند الشُّراح ما يذكره البخاري بصيغة التَّمريض إشارة إلى ضعفه، ولا أقلَّ من أنَّه إشارة إلى أنَّه ليس على شرطه.
وأخذ الحافظ أيضًا بهذا الأصل في مواضع من شرحه، قال في باب الجَمْع بَين السُّورتين في ركعة: في قوله: ويُذكر عن عبد الله بن السائب _بعد ما ذكر الاختلاف في إسناده على ابن جريج_ وكأنَّ البخاري علَّقَه بصيغة ويُذكر لهذا الاختلاف. انتهى.
وبذلك جزم العيني إذ قال: وذكره البخاري على صيغة المجهول، وهو صيغة التَّمريض لأنَّ في إسناده اختلافًا ثم ذكر الاختلاف.
وأمثلة ذلك في الشُّروح كثيرة.
قال الكرماني في باب هل يتَتَبَّع المؤذن فَاه ههُنا، ويُذْكر عن بلال أنَّه جَعَل إصبِعَيه في أُذنيه، وكان ابن عمر لا يجعل ... إلى آخره: ميلُ البخاري إلى عدم الجعل لأنَّ التَّعليق الأوَّل ذكره بصيغة التَّمريض، والثَّاني بصيغة التَّصحيح. انتهى.
تقدَّم قول الكرماني هذا في الأصل الأربعين لغرض آخر، وهو بيان ميلُ البخاري، وههنا بصيغتي التَّمريض والتَّصحيح.
ويقرب منه ذكر الإمام البخاري التَّراجم بصيغة التَّمريض كما في قوله: باب ما يُذكر في المناولة.
وله نظائر كثيرة في التَّراجم والفرق بين هذا وبين ما تقدم أنَّ التَّمريض في ما تقدم كان في ذكر الحديث، وههنا في التَّرجمة.
ج 1 ص 45
[1] التلخيص شرح الجامع الصحيح: ص 263 مختصرًا.