فهرس الكتاب

الصفحة 67 من 4610

ما ظهر أيضًا لهذا المبتلى بالسَّيئات _غفر الله له الزلات_ أنَّ الإمام البخاري قد يغير سياق التَّراجم على الأحكام الواردة في الأحاديث على نسق واحد، مثلًا: ورد في الأوقات المنهية عن الصَّلاة فيها الرِّوايات على سياقين:

أحدهما: النَّهي عن الصَّلاة عند الطُّلوع والغروب مطلقًا، كما في حديث ابن عباس، عن عمر رضي الله عنه «أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم نهى عن الصَّلاة بعد الصُّبح حتى تشرق الشَّمس، وبعد العصر حتى تغرب» . وهكذا ورد في روايات عديدة.

والسِّياق الثَّاني: ما أورد عن ابن عمر رضي الله عنه قال: «قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: لا تَحَرَّوْا بصَلاتِكُم طُلُوع الشَّمْسِ ولا غُرُوبها» . والإمام البخاري رضي الله عنه أورد السِّياقين معا في صحيحه، لكنَّه ترجم على النَّهي عند الطُّلوع بالإطلاق فقال: باب الصَّلاة بعد الفجر حتى ترتفع. وترجم على الثَّاني باب لا تتحرى الصَّلاة عند غروب الشَّمس. ولم يتعرض لذلك الشُّرَّاح إلَّا ما أفاده الشَّيخ _قدس سره_ في «اللَّامع» أنَّه رضي الله عنه نبَّه بذلك الى اختلاف المذاهب.

ومال السَّندي الى توجيه أحاديث التَّحري الى أحاديث الإطلاق، والأوجه عندي أنَّ ذلك فعله الإمام البخاري قصدًا وتنبيها، على أنَّه لم يرد في أحاديث الصَّلاة عند الطُّلوع ما يخالف حديث النَّهي، فرجح في ذلك أحاديث الإطلاق، ووقع في الصَّلاة بعد العصر ما سيأتي في باب ما يصلي بعد العصر من ثبوت الصَّلاة بعد العصر على شرط البخاري، فرجح الإمام في الجزء الأوَّل أي الفجر أحاديث النَّهي مطلقا، ورجح في الجزء الثَّاني أحاديث التَّحري.

وهكذا روى الإمام البخاري رضي الله عنه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «أمر النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم أن يَسْجُد على سَبْعَة أَعْظُم ولا يَكُفَّ شعره ولا ثوبه» . بسياق واحد في الفعلين، وغير الإمام البخاري سياق التَّرجمتين، فترجم باب لا يكف شعرًا و باب لا يكف ثوبه في الصَّلاة تنبيها على الاختلاف في الثَّاني؛ هل هو مقيد بالصَّلاة أو لا؟ كما بسط في الشُّرُوح.

وهكذا ورد في الأحاديث «أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: من لم يجد النَّعْلين فليَلْبَس الخفَّين، ومن لم يَجِد إزارًا فلْيَلْبَس السَّرَاويل» . هكذا ورد في روايات عديدة ذكر النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم الأمرين على سياق واحد، وغَيَّر الإمام البخاري سياق التَّرجمتين، فترجم أولًا: باب لبس الخُّفين للمحرم إذا لم يجد النَّعلين وترجم ثانيًا: باب إذا لم يجد الإزار فليلبس السَّراويل

ج 1 ص 56

وحملوا ذلك على تفنن الإمام رضي الله عنه، وليس كذلك، بل لمَّا كان لبس الخُّفَّين لمن لم يجد النَّعلين اختيارا إن شاء لبس وإن شاء لم يلبس، ولا مانع في الاحتفاء، ترجم عليه الإمام البخاري ما يدل على الجواز، وكان لبس السَّراويل لمن لا يجد الإزار حتما واجبًا لوجوب ستر العورة، ترجم ذلك بلفظ فليلبس الدَّال على الوجوب.

ونظائر هذا الأصل الَّذي خاطري أبو عذرة كثيرة في الصَّحيح تظهر من التَّدبر في تراجمه.

مثلًا: ترجم باب فضل الصَّلاة في مسجد مكة والمدينة وذكر فيه حديث شدُّ الرِّحال إلى ثلاثة مساجد، ولم يذكر في التَّرجمة الصَّلاة ببيت المقدس مع كونها في الحديث، ثم ترجم باب مسجد بيت المقدس ولم يذكر في التَّرجمة لفظ الصَّلاة، وذكر فيه أيضًا حديث شَدُّ الرِّحال إلى ثلاثة مساجد.

ومثلًا: ترجم باب الجمع في السَّفر بين المغرب والعشاء مطلقا، ولم يقيده بقيد، وترجم للجمع بين الظُّهر والعصر مفصَّلا بترجمتين، فترجم باب يؤخر الظُّهر الى العصر اذا ارتحل قبل أن تزيغ الشَّمس ثم ترجم باب اذا ارتحل بعد ما زاغت الشَّمس صلى الظُّهر ثم ركب والمسألة خلافية شهيرة ليس هذا محلها وغرضي من ذلك التَّنبيه على تغير سياق التَّراجم على الأحكام الواردة في الأحاديث بنسق واحد.

كما ترجم باب أجْر الخَادم اذا تَصَدَّق بأمْر صَاحِبِه غير مُفْسِد ثم ترجم باب أجر المرأة اذا تصدقت ... إلى آخره فقيد الأولى بأمر صاحبه دون الثَّانية، مع اتحاد سياق الرِّواية. من التَّراجم الكثيرة في الصَّحيح تظهر بأدنى تأمل.

ويقرب من ذلك الأصل وإن لم يكن داخلا فيه تغير التَّراجم في الخُطَب إذ ترجم في الجمعة: باب استقبال النَّاس الإمام إذا خطب وفي العيد استقبال الإمام النَّاس في خطبة العيد وفي الاستسقاء باب استقبال القبلة في الاستسقاء ووجوه كلها واضحة.

ج 1 ص 57

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت