ما ظهر أيضًا لهذا الفقير المحتاج إلى رحمة ربه العليا أنَّ الإمام البخاري طالما يجمع الأبواب العديدة، ويأتي بعد تلك الأبواب حديثًا واحدًا يثبت الأبواب السَّابقة كلها، ويفعل ذلك تشحيذًا للأذهان، ومن لم يمعن النَّظر في ذلك يعد الأبواب السَّابقة خالية عن الحديث، ويأتي لذلك بتوجيهات بعيدة كسهو المؤلِّف، أو عدم وجدانه للحديث، أو تحريف من النَّاسخ، وغير ذلك من التَّوجيهات العامة المعروفة.
ومثال ذلك أنَّه رضي الله عنه ترجم بـ باب الرِّياء في الصَّدقة ثم ترجم بـ باب لا يقبل الله صدقة من غُلول، ولا يقبل إلَّا من كَسب طيِّب ثم ترجم بـ باب الصَّدقة من كسْب طيِّب ولم يذكر حديثًا في الأولين وذكر في الثَّالث، ولم يتعرَّض لذلك الشُّراح إلَّا بقولهم: تخلو التَّرجمة عن الحديث اقتصارًا على الاستدلال بالآية. انتهى. وهذا الَّذي اختاره شيخ الهند _قدس سره_ في الأصل التَّاسع من أصوله وتقدَّم في الأصل السَّابع والعشرين من هذه الأصول.
والأوجه عندي أنَّ الإمام البخاري رضي الله عنه
ج 1 ص 49
أثبت بالحديث الوارد بعد الباب الثَّالث البابين السَّابقين أيضًا، فإنَّه رضي الله عنه أورد فيه حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: «قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من تصدَّق بعَدْل تمرة من كسْب طيِّب، ولا يقبل الله إلَّا الطَّيِّب، فإنَّ الله تعالى يتَقَبَّلها ثم يُرَبِّيها لصاحبه ... » الحديث. فإن قوله من تصدق بعَدْل تمرة من كسب طيب ثالث التَّراجم، وقوله: لا يقبل الله إلَّا الطيب ثانيها، وقوله: فإنَّ الله تبارك وتعالى يربِّيها حتى تكون مثل الجبل يُشْعر إلى أولها بالضِّد، فإن التَّربية تنافي الإِبْطَال، والاستدلال بالأضداد من أصول التَّراجم كما في التَّاسع والسِّتين.
وسيأتي في أول الجنائز عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من مات يشرك بالله دخل النَّار، قلت: من مات لا يشرك بالله دخل الجنة» . فهذا ابن مسعود رضي الله عنه استنبط الثَّاني لكونه ضدَّ الأوَّل.
ومن ذلك الأصل أنَّ الإمام البخاري ترجم باب صدقة العلانية ثم باب صدقة السِّر وذكر فيه حديثًا معلقًا ثم باب إذا تصَدَّق على غنيٍّ وهو لا يعلم ولم يأت بالحديث مسندًا للأوَّلَين، وأتى في الباب الثَّالث حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «قال رجل لا تصَدَّقن بصَدَقة» الحديث. وقال الحافظ وتبعه غيره في الباب الأوَّل: سقطت هذه التَّرجمة للمستملي، وتثبتت للباقين، وبه جزم الإسماعيلي ولم يثُبْت فيها لمن أثبتها حديث، وكأنَّه أشار إلى أنَّه لم يصح فيها على شرطه شيء. انتهى. وهكذا قال العيني وغيره.
والأوجه عندي أنَّه ثبتت بحديث أبي هريرة المذكور التَّراجم الثَّلاثة، الصَّدقة على الغني ظاهر، ولما لم يكن في بعض النُّسخ الباب الثَّالث مستقلًا وأدمجه بالباب الثَّاني فوجَّه الحافظ مناسبة حديث أبي هريرة بالباب الثَّاني بقوله: أنَّ الصَّدقة المذكورة وقعت باللَّيل لقوله في الحديث: «فأصبحوا يتحدثون» بل وقع في صحيح مسلم التَّصريح بذلك لقوله فيه «لأتَصَدَّقن اللَّيلة» فدلَّ أن صدقته كانت سرًّا، إلى آخر ما قال. قلت: ولمَّا أصبحوا يتحدثون صارت علانية باعتبار المآل فثبتت التَّراجم الثَّلاثة.
ولا يلتبس هذا الأصل بالأصل السَّابع والعشرين فإنَّه ليس فيه تسلسل الأبواب، وذِكْر الحديث بعدها.
ج 1 ص 50