هذه التَّرجمة من التَّراجم المشكلة وهي عديدة في البخاري تقدَّم بعضها، منها (باب من بدأ بالحلاب والطِّيب) ويأتي البعض الآخر، وفي هذا الباب يشكل لفظ الحديث، ولا يظهر له وجه وجيه، وليس هذا اللَّفظ في نسخة الكرماني فقال: وفي بعضها (باب صلاة الفجر والحديث) ولم تظهر مناسبة لفظ الحديث، وقد يقال: الغرض منه باب كذا، وباب الحديث الوارد في فضل صلاة الفجر. انتهى.
قال الحافظ: لا يَخْفى بُعْدُه، فالظَّاهر أنَّه وَهْم يدلُّ عليه أنَّه ترجم لحديث جرير (باب فضل صلاة العصر) بغير زيادة، ويحتمل أنَّه كان فيه (باب فضل صلاة الفجر والعصر) فتحرَّفت الكلمة الأخيرة. انتهى.
وتعقَّب عليه العيني وقال: كلام الكرماني أوجه من ادِّعاء الوهم، واحتمال التَّحريف بعيد جدًا، فإن قلت: ما وجه خصوصيَّة هذا الباب بهذه اللَّفظة دون سائر الأبواب الذي يذكر فيها فضائل الأعمال، قلت: يحتمل أن يكون وجه ذلك أنَّ صلاة الفجر إنَّما هي عقيب النَّوم، والنَّوم أخو الموت، فينبغي أن يجتهد المستيقظ على أداء صلاة الفجر شكرًا لله تعالى على حياته. انتهى.
وفي (( حاشية الهنديَّة ) )عن (( الخير الجاري ) )أقرب الوجوه أن يقال: أراد البخاري بيان أنَّ فضل صلاة الفجر معلوم من حديث مشهور، ولو عند البعض ذكره لمزيد الاهتمام بشأنه. انتهى.
وما أورده الشَّيخ في (( اللَّامع ) ) (باب فضل صلاة الفجر، وباب الحديث فيه) كرَّره إشارة إلى عظم منقبة الحديث الوارد في هذا الباب. انتهى.
هذا أقرب الوجوه المذكورة عندي، والمعنى بيان فضل هذا الحديث الوارد في الباب لما فيه من بشارة الرُّؤية يوم القيامة.
وفي (( تقرير المكِّي ) )قال قُدِّس سرُّه: الأقرب عندي أنَّ الحديث عطف على الفضل، والمراد به كلام النَّاس، يعني: باب الكلام في هذا الوقت، أي: بعد الفجر هل يكره أم لا؟ فثبت: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} الآية، أنَّه يكره، لأنَّ ذلك الوقت وقت تسبيح، وقد ورد في الكراهة الأحاديث. انتهى.
وفي (( فيض الباري ) )هذا من عادات المصنِّف أنَّ الحديث إذا اشتمل على فائدة، ويريد أن ينبِّه عليها فيذكرها في التَّرجمة، وإن لم يناسب سلسلة التَّراجم واسميه إنجازًا، فقوله: والحديث، أي: الحديث بعد العشاء، وإن لم يناسب ذكره ههنا لأنَّه عقد التَّرجمة لفضل صلاة الفجر، ولا مناسبة بينه وبين الحديث بعد العشاء إلَّا أنَّه لمَّا كان مذكورًا في الحديث ذكره انجازًا، وقد اضطرب في توجيهه الشَّارحون ولم يأتوا بشيء. انتهى.
قلت: وقد سَنَح في خاطري هذا التَّوجيه منذ زمان، وقد تتبَّعت لذلك طرق أحاديث جرير في سالف الزَّمان ولم أجد فيها تصريحًا بكون هذا الكلام بعد العشاء، فلو ثبت فهذا أقرب التَّوجيهات، وإلَّا فيمكن أن يقال: إن من دأب البخاري الاستدلال بكل المحتمل على أن كونه بعد العشاء أقرب، لشدَّة ضوء البدء إذ ذاك، وهو كان ملحوظًا في التَّشبيه. انتهى من (( هامش اللَّامع ) ).
ج 2 ص 317
ج 2 ص 318