قال الحافظ: هذه التَّرجمة لفظ حديث بسط الحافظ في تخريجه، كما في (( هامش اللَّامع ) )، وفيه قال شيخ المشايخ في (( التَّراجم ) )غرضه من عقد الباب، إثبات أنَّ التُّراب له حكم الماء عند عدم وجدانه، فإذا تيمَّم يصلِّي بهما ما شاء من الفرائض والنَّوافل، ما لم يُحْدِث، كما هو حكم الماء، وهذا مذهب أبي حنيفة، خلافًا للشَّافعيِّ وغيره من الأئمَّة، ومحل الاستشهاد في حديث الباب قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «عَلَيْكَ بَالصَّعِيدِ فَإنَّه يَكْفِيكَ» ، لأنَّ الظَّاهر المتبادر من الكفاية أن يكون له حكم الماء، وإلَّا كانت الكفاية ناقصة مع أنَّ المطلق ينصرف إلى الكامل. انتهى.
قلت: ويوضح مراد المصنِّف إيراد أثر الحسن في التَّرجمة فهو نصٌّ في وفاق الحنفيَّة.
قال الحافظ: وهو أصرح في مقصود الباب، وأشار المصنِّف بهذا الباب إلى أنَّ التَّيمُّم يقوم مقام الوُضوء، وهذه المسألة وافق فيها البخاري الكوفيين والجمهور [1] ، إلى آخر ما في (( هامشه ) )، وفيه: وما جمع الحافظ في كلامه الكوفيين والجمهور تسامح منه وإجمال مخل، وتوضيح ذلك أنَّ ههنا مسألتين طالما يلتبس فيهما في النَّقل، وبُسِطَتا في (( الأوجز ) ) [2] .
الأولى: أنَّ التَّيمُّم بمنزلة الوضوء عند الحنفيَّة، وإليه ميل البخاري فيصلِّي به إلى متى شاء، وبه قال أهل الظَّاهر، وهو رواية عن أحمد والمشهور عنه، وبه قال مالك، والشَّافعيُّ أنَّه لا بدَّ للتَّيمُّم في كلِّ وقت صلاة مفروضة.
والمسألة الثَّانية ما قال الموفَّق وله أن يصلي به ما شاء من الصَّلاة، فيصلِّي الحاضرة، ويجمع بين الصَّلاتين، ويقضي الفوائت، ويتطوَّع قبل الصَّلاة وبعدها، وقال مالك والشَّافعيُّ لا يصلِّي به فرضين. انتهى.
وفي الهداية: ويصلِّي بتيمُّمه ما شاء من الفرائض والنَّوافل [3] . انتهى.
قوله: (وأَمَّ ابْنَ عَبَّاس)
ج 2 ص 256
قال الحافظ: أشار المصنِّف بذلك إلى أنَّ التَّيمُّم يقوم مقام الوضوء، ولو كانت الطَّهارة به ضعيفة لَمَا أمَّ ابن عبَّاس وهو مُتَيَمِّمٌ، مَنْ كَان مُتَوَضِّأ. انتهى.
قوله: (عَلَى السَّبَخَة) كتب الشَّيخ في (( اللَّامع ) )أراد بها ما فيه سباخ، لا ما صار صباخا كلية، فلا ينافي مذهب الحنفيَّة. انتهى.
وفي (( هامشه ) )قال العيني: السَّبَخَة بفتح حروفها كلها، واحدة السَّباخ، قال صاحب لغات الصراح: سبخة شورة (كندهك) [4] . انتهى.
وما يظهر من (( المحيط الأعظم ) )أنَّ كندهك غيرها، يقال لها في العربيَّة كبريت، وفي تقرير مولانا حسين علي البنجابي قوله: السَّبَخَة، أي: إن كانت الأرض غالبة، وإلَّا فلا يجوز هذا في السَّبَخَة التي ليست سَبَخُها من جنس الأرض، أعني: يذاب بالإحراق ويصير رمادًا. انتهى.
قال الحافظ: هذا الأثر يتعلَّق بقوله في التَّرجمة الصَّعيد الطَّيِّب، أي: المراد بالطَّيِّب الطَّاهر، واحتجَّ ابن خزيمة لجواز التَّيمُّم بالسَّبَخَة بحديث عائشة في شأن الهجرة أنَّه قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُم سَبِخَةٌ ذَاتَ نَخْل» [5] يعني المدينة، قال: وقد سمَّى النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم المدينة طيبة، فدلَّ على أنَّ السَّبخة داخلة في الطَّيِّب، ولم يخالف في ذلك إلَّا إسحاق بن راهويه فإنَّه لم يُجَوِّز التَّيمُّم بها. انتهى.
وهو رواية عن أحمد كما في المغني.
ولا يذهب عليك أنَّ حديث عِمْران بن حُصَيْن هذا، يأتي في (باب علامات النُّبوَّة في الإسلام) أيضًا، وبين سياقيهما اختلافات كثيرة، ويسمَّى حديث ليلة التَّعريس، وهل وقعت مرَّة أو أكثر؟ فيه خلاف بسط في (( الأوجز ) ) [6] ، وعندي: الأوجه الثَّاني.
ج 2 ص 257
[1] فتح الباري:1/ 446 مختصرا
[2] أوجز المسالك:1/ 566.
[3] الهداية في شرح بداية المبتدي:1/ 29
[4] گندهك، كلمة باللغة الأوردية معناها بالعربية كبريت
[5] أخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب الهجرة، (رقم: 4262) ، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
[6] أوجز المسالك:1/ 316