قال شيخ المشايخ في (( التَّراجم ) )مقصود الباب مركَّب من الأمرين:
الأوَّل: وجوب الوضوء ممَّا خرج من السَّبيلين مع عموم ما خرج، المعتاد وغير المعتاد، المنصوص في القرآن وغير المنصوص فيه، الثَّابت بالحديث.
والثَّاني: عدم وجوب الوضوء من غير ما خرج، فأثبت ببعض ما ذكر في الباب الأوَّل، وبعض آخر الثَّاني، والشُّرَّاح في هذا المقام يطبِّقون مذهب المؤلِّف _ رحمه الله _ على مذهب الشَّافعيِّ، ويقولون معنى ترجمة الباب: من لم ير الوضوء من الخارج إلَّا بما خرج من المخرجين، حتَّى يكون مسُّ الذَّكر ومسُّ النِّساء اللَّذان هما ناقضان عند الشَّافعيِّ باقيين في النَّواقض عنده أيضًا، لكن التَّحقيق في هذا الباب أنَّ مذهب البخاري في هذه المسألة وراء مذهب الشَّافعيِّ، وكلامه على ظاهره، فلا يكون عنده في مسِّ الذَّكر ولمس النِّساء وضوء، ويدلُّ على ذلك قوله: وقال جابر بن عبد الله: إذا ضحك ... إلى آخره، فتأمَّل، وأثبت ببعض ما ذكر من الآثار في تعاليق الباب، الجزء الثَّاني من المدَّعَى. انتهى.
والمناسبة عندي بما سبق: أنَّ المذكور في السَّابق الأنجاس الظَّاهرة الموجبة للنَّجاسة الحقيقة، فأورد بعده الأنجاس الباطنة الموجبة للنَّجاسة الحكمية.
قال العيني: إنَّ الباب السَّابق في نفي النَّجاسة عن شَعَر الإنسان وسؤر الكلب، وهذا في نفي الوضوء من غير السَّبيلين. انتهى.
وكتب الشَّيخ في (( اللَّامع ) )والاستدلالات التي أثبت بها المدَّعى غير مُثْبِتَة لها، أمَّا من لم يتعرض لغير السَّبيلين فلأنَّ تخصيص شيء بشيء في الذِّكر لا يدلُّ على نفي الحكم عن جميع ما عداه، وهذا ظاهر، وأمَّا ما فيه تعرض للخارج من غير السبيلين وإثبات لعدم انتقاض الطَّهارة به فلأنَّ فيه احتمالا غير ما فيه إثبات لمدعاهم، وإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال، فأمَّا أنَّ الضَّحك لا ينقض الوضوء فنحن متَّفقون بهم فيه، وإنَّما النَّاقض هو القهقهة، وأمَّا خلع الخفِّ فنحن لا نقول بانتقاض وضوئه، وإنَّما الواجب عليه أن يغسل قدميه، وقول أبي هريرة رضي الله عنه: «لا وضوء إلَّا من حدث» فهو يوافق المذهبين معًا، وإنَّما الكلام في تعيين الحدث ما هو؟ وإن أريد بالحدث ما فسره أبو هريرة رضي الله عنه فساء أو ضراط لزم عليهم البول والبراز والمني والمذي إلى غير ذلك.
وأمَّا قوله: (فَنَزَفَهُ الدَّمُ، فَرَكَعَ، وَسَجَدَ ... إلى آخره) فهو وارد على المذهبين لما فيه من تنجس الثِّياب أيضًا، مع أنَّه يحتمل أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم أمر بالإعادة، إلَّا أنَّ الرَّاوي ترك ذكره، وأمَّا ما قال: (مازال المسلمون يصلون في جراحاتهم) ففي غير السَّائلة أو في حالة كونهم معذورين، وكذلك ما قال: ليس في الدَّم وضوء في غير السَّائلة، وأمَّا إذا خرج من البثور دما بعصرها، فلأنَّه مخرج لا خارج، فلا ينتقض الوضوء، وكذلك نقول في البزاق إنَّه [إن] كان الدَّم مغلوبًا فيه فلا يلزم نقض الطَّهارة به، وأمَّا قول الحسن وصاحبه: ليس عليه إلَّا غسل محاجمه، فالمعنى بذلك أنَّه لا يجب الغسل عليه بذلك، وإنَّما يكتفى فيه بغسل الموضع
ج 2 ص 196
المتلطخ بالدَّم، وأمَّا الوضوء فلا تعرض له فيه نفيًا ولا إثباتًا، وأمَّا ما فيه من الرِّوايات فحاصل استدلال المؤلِّف بها أنَّه لم يذكر فيها غير ما ذكر، فعلم أنَّ الطَّهارة لا تنتقض بغير المذكورات، لأنَّ السُّكوت في محل البيان بيان، والجواب قد عرفت أنَّ المفهوم لا يعتبر به. انتهى.
وبسط الكلام في (( هامشه ) )في تأييد كلمات الشَّيخ أشدَّ البسط، ولا يبعد عندي أنَّ الإمام البخاري أشار بذلك إلى اختلافهم في علَّة الحدث.
ففي (( هامش اللَّامع ) )اختلفوا في موجب الوضوء على ثلاثة أقوال: فقال قوم: سبب الوجوب خروج النَّجس من البدن، فأوجبوا الوضوء في كل خارج نجس من المخرج المعتاد وغيره، وممن قال بذلك أبو حنيفة وأصحابه والثَّوري وأحمد، فأوجبوا الوضوء من الدَّم والرُّعاف والقيء وغير ذلك، وقال آخرون: سببه الخروج من المخرج المعتاد، فقالوا كل ما يخرج من السَّبيلين ناقض للوضوء، أي شيء خرج من دم أو حصى أو غير ذلك، وممن قال بذلك الشَّافعيِّ وأصحابه، وقال آخرون منهم الإمام مالك: أنَّ العبرة للخارج والمخرج معًا فقالوا: كل ما يخرج من السَّبيلين مما هو معتاد خروجه كالبول والغائط ونحوهما يوجب الوضوء وإلَّا فلا. انتهى.
قوله: (وقال جَابر: إذا ضَحِكَ في الصَّلاة ... إلى آخره) هذا إجماع في الضحك ونحن أيضًا لا نخالفه، وإنَّما الخلاف في القهقهة تفسد الوضوء عندنا، وبه قال النَّخعي، والحسن، والثَّوري والأوزاعي، قال العيني: لنا في ذلك أحد عشر حديثًا مرفوعًا منها أربعة مرسلة وسبعة مسندة، ثمَّ ذكرها وسبقه في ذلك الزَّيلعي في تخريج الهداية.
قوله: (وقال الحَسَن: إن أخَذَ من شَعَرِه ... إلى آخره) المسألة الأولى إجماعية والمخالف في ذلك كان حمَّادًا ومجاهدًا وغيرهما؛ إذ قالوا: من قصَّ أظفاره أو جزِّ شاربه يعيد الوضوء، ثمَّ استقرَّ الإجماع على خلاف ذلك، وأمَّا المسألة الثَّانية فقال الحسن وداود وغيرهما: لا يعيد الوضوء ولا يغسل رجليه كما لو حلق رأسه بعد المسح، وأظهر قولي أحمد: يعيد الوضوء، وهو أحد قولي الشَّافعيِّ وبه قال إسحاق، وقال أبو حنيفة: يعيد غسل قدميه فقط، وهو أرجح قولي الشَّافعيِّ ومرجوح قولي أحمد، والخلاف مبني على وجوب الموالاة في الوضوء، وقال مالك: إن غسل قدميه بعد نزع الخف مكانه يجزئه، وإن أخَّره استأنف الوضوء. انتهى.
قوله: (وقال أبو هُرَيرة رضي الله عنه: لا وُضُوءَ إلَّا مِنْ حَدَث ... إلى آخره) أمَّا الأحداث المختلف فيها بين العلماء كمسِّ الذَّكر، ولمس المرأة، والقيء، والحجامة، فكان أبا هريرة لا يرى النَّقض بشيء منها، وعليه مشى المصنِّف، قاله الحافظ.
قوله: (وقال جابر: ... إلى آخره) الدَّم والقيء الفاحش ينقضان عند أحمد رواية واحدة، وبه قلنا خلافًا لمالك والشَّافعيِّ.
قوله: (وبزق ابن أبي أوفى دمًا) وتقدَّم قريبًا ما كتبه الشَّيخ في (( اللَّامع ) ).
وفي (( هامشه ) )إنَّ الدَّم ناقض عند أحمد أيضًا كما قلنا، وحملوا هذه الآثار كلها على غير الفاحش، وفي (( تقرير مولانا محمَّد حسن المكِّي ) )قوله: بزق قلنا كان بزاقه مصفرًا لا محمرًا، والمصفر ليس بناقض عندنا أيضًا أو هو مذهبه. انتهى.
قوله: (وقَال ابنُ عُمَر والحَسَن ... إلى آخره) تقدَّم ما كتب الشَّيخ من أنَّ المراد لا يجب عليه الغسل بذلك، وأمَّا الوضوء فلا تَعَرُّض له فيه. انتهى.
ومبنى ما أفاده الشَّيخ أنَّ بعض الصَّحابة أوجبوا عليه الغسل كما حكاه، والعيني كما في (( هامش اللَّامع ) ).
ج 2 ص 197