ما ظهر لهذا الفقير أيضًا أنَّ الإمام البخاري قد يذكر التَّراجم في غير محلها، مثلًا ذكر بابي السُّجود في أبواب الثِّياب، وذكر بابي الثِّياب في أبواب صفة السُّجود، وحملت الشُّرَّاح ذلك على وهم الإمام، أو غلط النُّساخ، قال الحافظ في أبواب الثِّياب قوله: باب إذا لم يتم السُّجود كذا وقع عند أكثر الرِّواة هذه التَّرجمة وحديث حذيفة فيها، والتَّرجمة الآتية وحديث ابن بُحَيْنَة فيها موصولًا ومعلقًا ولم يقع عند المستملي شيء من ذلك، وهو الصَّواب، لأنَّ جميع ذلك سيأتي في مكانه اللَّائق به وهو أبواب صفة الصَّلاة، ولولا أنَّه ليس من عادة المصنِّف إعادة التَّرجمة وحديثها معًا لكان يمكن أن يقال: مناسبة التَّرجمة الأولى لأبواب ستر العورة، الإشارة إلى أنَّ من ترك شرطًا لا تصح صلاته كمن ترك ركنًا، ومناسبة التَّرجمة الثَّانية الإشارة إلى أنَّ المجافاة في السُّجود لا تستلزم عدم ستر العورة فلا تكون مبطلة للصَّلاة، وفي الجملة إعادة هاتين التَّرجمتين ههنا وفي أبواب السُّجود الحمل فيه عندي على النُّساخ، بدليل سلامة رواية المستملي من ذلك وهو أحفظهم. انتهى.
وإلى ذلك مالت الشُّرَّاح عامة، وقال شيخ المشايخ في تراجمه قوله باب إذا لم يتم السُّجود: نقل عن الفِربَرْي أنَّ بعض أوراق الكتاب كان غير ملتصق بالكتاب فوقع الخطأ من بعض النُّساخ في إلحاق تلك الأوراق فألحقوها في غير الموضع الَّذي أراد المصنِّف إلحاقها فيه في نفسه، وهذا الباب في هذا المقام من هذا القبيل وكذا الأبواب الآتية لأنَّها في الحقيقة من أبواب صفة الصَّلاة فاحفظ. انتهى.
وأنت خبير بأنَّ ما أورده الحافظ من تكرار التَّرجمة والحديث يتمشى في بابي السُّجود، لكن لا يتمشى في بابي الثِّياب فإنَّه ترجم في صفة السُّجود بـ باب عقد الثِّياب وشدِّها ... إلى آخره وبـ باب لا يكفُّ ثوبه في الصَّلاة فإنَّ هذين البابين لم يتكررا لا ترجمة ولا حديثًا، فبقي الإيراد بذكرهما في صفة السُّجود. وما أفاد شيخ المشايخ يشكل عليه أيضًا أنَّه لو كان الأمر كما حكى عن الفِربري كانت التَّرجمتان في موضع واحد لا في موضعين، وأيضًا يشكل عليه وعلى ما قاله الحافظ أيضًا تغير التَّرتيب في التَّرجمتين فإنَّه قدَّم في أبواب الثِّياب باب إذا لم يتم السجود وأخر باب يبدي ضبعيه بخلاف ما في صفة السُّجود فإنَّه قدَّم فيها الثَّاني وأخر الأوَّل، فالظَّاهر عندي أنَّ ذلك كلَّه من بدائع دقائق البخاري فعل كلُّ ذلك عمدًا للطَّائف، ليس هذا محله وسيأتي شيء منها في «هامش اللَّامع» .
وهكذا ذكر الإمام البخاري في أواخر صفة الصَّلاة باب ما جاء في الثُّوم النَّيئ والبصل والكرَّاث ... إلى آخره وأوردوا عليه أنَّ محله كان في أبواب المساجد. وهكذا ترجم بعد ذلك باب وضوء الصِّبيان ... إلى آخره وأوردوا عليه أيضًا أنَّ محله كان كتاب الطَّهارة لا أبواب صفة الصَّلاة، والأوجه عندي أنَّ الإمام البخاري لم يذكر الباب الأوَّل في أبواب المساجد، إشارة إلى أنَّ المنع منه لا يختص بالمساجد، وترجم بالثَّاني ههنا إفرادا لمسائل الصِّبيان لكونهم غير مكلفين، فذكر أحكامهم المتفرِّقة من الطَّهارة والصَّلاة وحضورهم العيد والجنائز في باب واحد، فهو بمنزلة باب مسائل شتى أفرد أحكامهم المتعلقة بالصَّلاة في باب واحد وجعله تتمة
ج 1 ص 62
للصَّلاة؛ لأنَّ الأبواب الآتية تتعلق بصلوات خاصة من الجمعة والعيدين وغيرهما، وسيأتي شيء من ذلك في «هامش اللَّامع» وأجاد في ترتيب هذه الأبواب من ذكر أحكام الرِّجال ثمَّ الصِّبيان ثمَّ النِّساء على ترتيب صفوفهم في الصَّلاة.
وعلى هذا الأصل حمل شيخ المشايخ في تراجمه باب القنوت قبل الرُّكوع وبعده إذ قال: هذا الباب في الأصل من متعلقات أبواب صلاة الفجر؛ لأنَّ الأحاديث الواردة إنَّما تدلُّ على القنوت، فيها وإيراده ههنا باعتبار أنَّ بعض العلماء قال بالقنوت في الوتر. انتهى. كذا أفاد _قدَّس سره_.
وقد عرفت فيما سبق أنَّ هذا الباب عندي داخل في الأصل الخامس والسِّتين، نعم يقرب من هذا الأصل باب الأمر باتِّباع الجنائز فإنَّه ذكره في مبدأ كتاب الجنائز والميت لم يغسل بعد ولم يكفن فكيف الأمر باتِّباعه؟ وسيأتي في محله باب فضل إتباع الجنائز فالأوجه عندي أنَّ المراد بالاتباع في مبدأ الكتاب ليس المشي خلف الجنازة لئلا يرد ما تقدم من ذكره في غير محله، بل المراد فيه الاهتمام بتجهيزه والمبادرة في غسله وتكفينه كما يقال الجيش يتبع السُّلطان، أي يتوخى موافقته وإن تقدم كثير منهم في المشي والرُّكوب، كما حمل عليه الحديث القسطلَّاني مجيبًا للحنفية إذا استدلوا بالحديث على أنَّ المشي خلفها أفضل، وعلى هذا فلا يرد على الإمام البخاري أيضًا أنَّه ذكر الأمر باتباعها في أولها والفضل في اتباعها بعد أبواب كثيرة؛ لأنَّ المراد بالاتباع في الثَّاني المشي خلفها فذكره في محلِّه، والمراد بالاتباع في أول الكتاب غير المشي، وهذا وإن كان مخالفًا لما اختاره الحنفية إلَّا أنَّ البخاري ليس بمقلد لهم.
وهذا الأصل غير الأصل الثَّاني والأربعين والثَّالث والسِّتين، فبين الثلَّاثة فرق واضح لا تلتبس عليك إحداهما بالأخرى.
ج 1 ص 63