كتب الشَّيخ في (( اللَّامع ) )مقابلة النَّبيذ بالمسكر يبيِّن أنَّ المراد بالنَّبيذ ما لم يسكر، وتخصيص الإمام إياه مع أنَّه ليس ماء مطلقًا لثبوت الرِّواية، ولا يلزم تخصيص الكتاب لأنَّه وقع تفسيرًا للماء المراد في الآية، وهؤلاء المذكورون ههنا، تابعيون لا يلزم على الإمام إتباعهم لكونه مثلهم، ثمَّ إنَّ الحديث لا يدلُّ إلَّا على أحد جزئي التَّرجمة، وهو حرمة الوضوء بالمسكر، وأمَّا الوضوء بالنَّبيذ فإن أريد
ج 2 ص 220
بالنَّبيذ ما بلغ حدَّ الإسكار فظاهر، وإن أريد ما لم يبلغه ففيه نوع خفاء، ولعلَّ مراد البخاري بإيراد لفظ (المسكر) ههنا وإيراد الرِّواية المظهرة لحكمه في الباب تعيين أحد محتملي النَّبيذ، فيكون موافقًا لما اتَّفقت عليه الأحناف من حرمة الوضوء بالنَّبيذ إذا أسكر واشتَدَّ ورَمَى بالزَّبَد فقط. انتهى.
وبسط الكلام في (( هامشه ) )على شرح كلام الشَّيخ، وفيه: أنَّ الشَّيخ _ قُدِّس سرُّه _ لم يذكر في هذا الباب إلَّا ما يتعلَّق بالبخاري، وأمَّا الكلام على المسألة فقهًا فقد أشبعه الشَّيخ في (( الكوكب ) )أشدَّ البسط، وحاصل كلام الشَّيخ في (( اللَّامع ) )أنَّ النَّبيذ والمسكر نوعان متقابلان، وبه جزم القسطلَّاني.
وقال الكرماني: المراد به إمَّا ما لم يصل إلى حدِّ الإسكار، أو ما وصل إليه، ويكون عطف المسكر عليه من باب عطف العامِّ على الخاصِّ، وخصَّص بالذِّكر من بين المسكرات لأنَّه محل الخلاف في جواز التَّوضُّئِ به [1] . انتهى. وتبعه الحافظ وغيره في ذلك.
وأنت خبير بأنَّ الذي بلغ حد الإسكار ليس بمختلف فيه عند العلماء، فالأوجه عندي أنَّ بينهما عمومًا وخصوصًا من وجه، فإنَّ بعض الأنبذة مختلف في جواز الوضوء منها، وأنت ترى أنَّه لم يأت برواية تدلُّ عليه، إلَّا ما ذكر من بعض الآثار، فلقائل أن يقول: إنَّ البخاري أثبت بالرِّواية أنَّ النَّبيذ الذي بلغ حدَّ الإسكار لا يجوز الوضوء منه، وأمَّا غيره من الأنبذة فيجوز الوضوء منه عند البخاري على الأصل التَّاسع والثَّلاثين من أصول التَّراجم، فتأمَّل.
لكن فيه أنَّ الآثار الواردة في الباب يخالف ذلك، إلَّا أنَّ في (( هامش اللَّامع ) )أجيب عن تلك الآثار، وما أفاده الشَّيخ أنَّ قول هؤلاء المذكورين لا يلزم الحنفيَّة، لأنَّ المعروف من قول الإمام إذا جاء الحديث عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فعلى الرَّأس والعين، وإذا جاء عن الصَّحابة اخترنا ولم نخرج عن أقولهم، وإذا جاء عن التَّابعين زاحمناهم. انتهى ملخصًا من (( هامش اللَّامع ) ).
وأجاد الشَّيخ _ قُدِّس سرُّه _ الكلام على الوضوء بالنَّبيذ فقهًا، وبسطه أشدَّ البسط في (( الكوكب الدُّرِّيِّ ) ) [2] وفيه: النَّبيذ أقسام: نقوع التَّمر غير مطبوخ، ولا امتراء في جواز الوضوء، وإن لم يسلمه المخالفون كيف والأخبار فيه مستفيضة، وقال النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «تَمْرَةٌ طَيِّبَةٌ، وَمَاءٌ طَهُورٌ» [3] ، وهو ينادي الصُّم بصوت جهوري أنَّ اختلاط الطَّاهر بالماء لا يخرجه من الطَّهوريَّة سواء كان ذلك الشَّيء مما يقصد به النَّظافة أو لم يكن، وإنَّما الخلاف واحتياج الإثبات إنَّما هو في ثاني أقسامه وهو المطبوخ الذي لم يبلغ حدَّ السُّكر، لكنَّه صار حلوًا، وأمَّا القسم الثَّالث الذي صار مسكرًا فلا يجوز التَّوضُّؤُ به عندنا أيضًا، إلى آخر ما بسطه.
وبسط في (( هامشه ) )الكلام على النَّبيذ وأقسامه، وفيه على قول الشَّيخ _ قُدِّس سرُّه _ أنَّ ليلة الجنِّ كانت غير مرة.
إنَّ ليلة الجنِّ وقعت ستَّ مرات:
الأولى: هي اللَّيلة التي قيل فيها أنَّه اغتيل أو استطير، وكانت بمكَّة ولم يحضرها ابن مسعود.
والثَّانية: كانت بمكَّة أيضًا بالحجون جبل بها.
والثَّالثة: كانت بأعلى مكَّة، وقد غاب النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم فيها في الجبال.
والرَّابعة: كانت بالمدينة ببقيع الغرقد، وفي هذه اللَّيالي الثَّلاث حضر ابن مسعود معه صلَّى الله عليه وسلَّم.
والخامسة: خارج المدينة حضرها الزُّبير بن العوَّام.
والسَّادسة: في بعض أسفاره حضرها بلال بن الحارث. انتهى مختصرًا.
قوله: (وكرهه الحسن وأبو العالية) قلت: أمَّا الحسن، فاختلفت الرِّوايات عنه ففي رواية لا توضَّأ بنبيذ، وفي أخرى أنَّه لا بأس به، قال الحافظ: فعلى هذا كراهته عنده على التَّنزيه.
ج 2 ص 221
والأوجه عندي أنَّ الاختلاف عنه، اختلاف أنواع الأنبذة، وأمَّا أثر أبي العالية فأصرح دليل لما قلته، من اختلاف أنواع الأنبذة.
قال الحافظ: روى أبو داود وأبو عبيد من طريق أبي خلدة قال: سألت أبا العالية عن رجل أصابته جنابة وليس عنده ماء أيغتسل به؟ قال: لا. انتهى.
قال الشَّيخ في (( البذل ) ): وفيه زيادة ذكرها الدَّارقطني بعد قوله لا، فذكرت له ليلة الجنِّ، فقال: «أنبذتكم هذه الخبيثة إنَّما كان ذلك زبيب وماء» [4] ، وكذلك أخرجه البيهقي بلفظ: قال: «يرى نبيذكم هذا الخبيث إنَّما كان ماء يلقى فيه تمرات فيصير حلوًا» [5] ، قال الشَّيخ في (( البذل ) )وهذا يدلُّ على أنَّ أبا العالية يجوز التَّوضُّؤ والاغتسال به ما دام حلوًا رقيقًا، فإذا اشتدَّ وخبث يحكم عليه بعدم الجواز [6] . انتهى.
قلت: وهل هذا غير ما قالته الحنفيَّة؟!
ج 2 ص 222
[1] الكواكب الدراري:3/ 101
[2] الكوكب الدري:1/ 119
[3] فصل الزيلعي الكلام في تخريج الحديث وملخصه قوله:"حديث التوضي بنبيذ التمر،"تمرة طيبة وماء طهور"، قلت: روي من حديث ابن مسعود. ومن حديث ابن عباس. أما حديث ابن مسعود فرواه أبو داود. والترمذي. وابن ماجه من حديث أبي، زاد الترمذي، قال: فتوضأ منه، قال الترمذي: وإنما روي هذا الحديث عن أبي زيد عن عبد الله، وأبو زيد رجل مجهول عند أهل الحديث لا يعرف له غير هذا الحديث، ووهم شيخنا علاء الدين، فعزاه للأربعة، والنسائي لم يروه أصلا، والله أعلم، وقد ضعف العلماء هذا الحديث بثلاث علل ...""نصب الراية:1/ 138"
[4] سنن الدارقطني، كتاب الطَّهارة، باب الوضوء بالنَّبيذ، (رقم: 253) .
[5] السنن الكبرى، كتاب الطَّهارة، باب منع التَّطهير بالنَّبيذ، (رقم: 34) .
[6] بذل المجهود:1/ 226