قال الكرماني وتبعه العيني قوله (ما كان يغيب إلخ) عطف على مقول القول وما نافية، أو على الحجة فما موصولة. انتهى.
قال الحافظ: وما موصولة وجَوَّزَ بعضهم أن تكون نافية وأنها من بقية القول المذكور وظاهر السياق يأباه، وهذه الترجمة معقودة لبيان أن كثيرًا من الأكابر من الصحابة كان يغيب عن بعض ما يقوله النبي صَلى الله عَليه وسَلَّم أو يفعله من الأعمال التكليفية فيستمر على ما كان اطلع عليه هو؛ إما على المنسوخ لعدم اطلاعه على ناسخه، وأما على البراءة الأصلية، وإذا تقرر ذلك قامت الحجة على من قدم عمل الصحابي الكبير على رواية غيره متمسكًا بأن ذلك الكبير لولا أن عنده ما هو أقوى من تلك الرواية لما خالفها، وقال ابن بطال أراد الرد على الرافضة والخوارج الذين يزعمون أن أحكام النبي صَلى الله عَليه وسَلَّم وسننه منقولة عنه نقل تواتر؛ وأنه لا يجوز العمل بما لا ينقل متواترًا، قال: وقولهم مردود بما صح أن الصحابة كان يأخذ بعضهم عن بعض، ورجع بعضهم إلى ما رواه غيره، وانعقد الإجماع على القول بالعمل بأخبار الآحاد. انتهى.
وقال صاحب (( الفيض ) )قوله: كانت ظاهرة فيه رد على الباطنية حيث زعموا أن المراد بالجنة والنار ليس ما يظهر من اسميهما بل هما عبارتان عن نعيم وعذاب معنويين فرد عليهم المصنف أن أحكام النبي صَلى الله عَليه وسَلَّم كلها محمولة على ظاهرها لا أن لها بواطن تخالف ظواهرها. انتهى.
ولا يبعد عند هذا العبد الضعيف أن الإمام البخاري أشار بذلك إلى مسألة أصولية خلافية وهي مسألة وجوب تقليد الصحابي قال صاحب (( نور الأنوار ) )تقليد الصحابي واجب يترك به القياس وقال الكرخي لا يجب إلا فيما لا يدرك إلا بالقياس، وقال الشافعي لا يقلد أحد منهم سواء كان مدركًا بالقياس أولا لأن الصحابة كان يخالف بعضهم بعضًا وليس أحدهم أولى من الآخر فتَعَيَّن البطلان. انتهى.
فلا يبعد عندي أن المصنف أشار إلى هذا الأخير بناء أن بعضهم لا يشهدون بموضع يشهده غيره طالما لا يعرفون المنسوخ من الناسخ.
ج 6 ص 1578