الأوجه عندي في غرض التَّرجمة بيان جواز خروج النِّساء إلى البَرَاز دفعًا لما يظهر من قوله عزَّ وجل: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} الآية [الأحزاب:33] ، عدم جواز خروجهن مطلقًا لا للبَرَاز ولا لغيره كما يدلُّ عليه الحديث الثَّاني «قَدْ أُذِنَ لكُنَّ أَنْ تَخْرُجْنَ فِي حَاجَتِكُنَّ» فظاهر الحديث أنَّ الخروج للحاجة أيضًا كان ممنوعًا قد أذن فيه بعد المنع، واختلف العلماء والشُّرَّاح في مصداق الحجاب في هذه الأحاديث، فظاهر حديث الباب
ج 2 ص 186
أنَّ قصَّة سودة كانت قبل نزول الحجاب، وسيأتي في التفسير في (باب قوله تعالى: {لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ} [الأحزاب:53] إلى آخره) عن عائشة رضي الله عنها قالت: «خَرَجَت سَودة بعد ما ضُرِبَ الحِجَاب» [1] ، والجمع بينهما عندي أنَّ المراد في الحديث الذي فيه بعد ما ضرب الحجاب، آية الحجاب المعروفة من قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ ... } الآية [الأحزاب:53] ، والمراد في الحديث الذي فيه «فأنزل الله الحجاب» غير الحجاب الأوَّل، ولعلَّ المراد به قوله تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} الآية [الأحزاب:33] ، والظَّاهر منها عدم جواز الخروج مطلقًا، ولمَّا كان فيه حرج عظيم أُذِن لهنَّ في الخروج لحوائجهنَّ، كما في حديث هشام عن أبيه.
وقريب منه ما كتب الشَّيخ _قُدِّس سرُّه_ في (( اللَّامع ) )إذ قال: قوله فأنزل الله الحجاب الذي كان يهواه عمر رضي الله عنه لهنَّ، إذ الحجاب الشَّرعي قد كان نزل من قبل، والحاصل أنَّ عمر رضي الله عنه كان يهوى أن لا يخرجن محتجبات أيضًا، ويتبرزن في البيوت، فصار ذلك مستحبًا بعد زمان، وإن بقي الجواز بعده أيضًا. انتهى.
وبسط الكلام في (( هامشه ) )في نقول كلام الشُّرَّاح في مصداق الحجاب في الحديثين، ومصداق الحجاب في الآيات، فارجع إليه لو شئت التَّفصيل.
ج 2 ص 187
[1] الحديث رقم 4795