قال الحافظ أي متى يستحق أن يكون قاضيًا؟ قال أبو علي الكرابيسي صاحب الشافعي في كتاب (( آداب القضاء ) )له لا أعلم بين العلماء ممن سلف خلافًا أن أحق الناس أن يقضي بين المسلمين من بان فضله وصدقه وعلمه وورعه، قارئًا لكتاب الله، عالمًا بأكثر أحكامه، عالمًا بسنن رسول الله، حافظًا لأكثرها، وكذا أقوال الصحابة عالمًا بالوفاق والخلاف وأقوال فقهاء التابعين يعرف الصحيح من السقيم يتبع في النوازل الكتاب، فإن لم يجد فالسنن، فإن لم يجد عمل بما اتفق عليه الصحابة، فإن اختلفوا فما وجده أشبه بالقرآن، ثم بالسنَّة، ثم بفتوى أكابر الصحابة، عمل به ويكون كثير المذاكرة مع أهل العلم والمشاورة لهم ويكون حافظًا للسانه وبطنه وفرجه فهما بكلام الخصوم.
ثم قال: وهذا وإن كنا نعلم أنه ليس على وجه الأرض أحد يجمع هذه الصفات ولكن يجب أن يطلب من أهل كل زمان أكملهم وأفضلهم.
قال ابن العربي: واتفقوا على أنه لا يشترط أن يكون غنيًا والأصل قوله تعالى: {وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ} [البقرة:247] واتفقوا على اشتراط الذكورية في القاضي إلا عن الحنفية، واستثنوا الحدود وأطلق ابن جرير وحجة الجمهور الحديث الصحيح «ما أفلح قوم ولو أمرهم امرأة» . انتهى.
وفي (( حاشية البجيرمي ) )من فروع الشافعية ولا يجوز أن يلي القضاء إلا من استكمل فيه خمس عشرة خصلة: الإسلام والبلوغ والعقل والحرية والذكورية والعدالة ومعرفة أحكام الكتاب والسنة ومعرفة الإجماع والاختلاف ومعرفة طريق الاجتهاد ومعرفة طرف من لسان العرب و معرفة تفسير كتاب الله وأن يكون سميعًا وبصيرًا وأن يكون كاتبًا والخامسة عشرة أن يكون متيقظًا. انتهى.
وفي البدائع من فروع الحنفية: الصلاحية للقضاء لها شرائط منها العقل ومنها البلوغ ومنها الإسلام ومنها الحرية ومنها البصر ومنها النطق ومنها السلامة عن حد القذف لأن القضاء من باب الولاية بل هو أعظم الولايات، وهؤلاء ... ليست لهم أهلية أدنى الولايات وهي الشهادة، فلا يكون لهم أهلية أعلاها أولى، وأما الذكورة فليست من شرط جواز التقليد في الجملة
ج 6 ص 1552
لأن المرأة من أهل الشهادات في الجملة إلا أنها لا تقضي بالحدود والقصاص، لأنه لا شهادة لها في ذلك، وأهلية القضاء تدور مع أهلية الشهادة.
وأما العلم بالحلال والحرام وسائر الأحكام فهل هو شرط جواز التقليد عندنا؟ ليس بشرط الجواز بل شرط الندب والاستحباب، وعند أصحاب الحديث كونه عالمًا بالحلال والحرام وسائر الأحكام مع بلوغ درجة الاجتهاد في ذلك، شرط جواز التقليد كما قالوا في الإمام الأعظم وعندنا هذا ليس بشرط الجواز في الإمام الأعظم لأنه يمكنه أن يقضى بعلم غيره بالرجوع إلى فتوى غيره من العلماء، فكذا في القاضي، لكن مع هذا لا ينبغي أن يقلِّد الجاهل بالأحكام لأن الجاهل بنفسه ما يفسد أكثر مما يصلح، وكذا العدالة عندنا ليست بشرط الجواز لكنها شرط الكمال. انتهى مختصرًا.
قوله وقرأ {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ} [المائدة:44] إلخ قال صاحب (( الفيض ) )ذكر ابن خلدون في (( مقدمته ) )أن اليهود كانوا تفرقوا فرقتين منهم من كان يعمل بالقياس ويسمى بالربانيين ومنهم من كان ينكره ويقال لهم الأحبار، وأبعد ابن حزم حيث شدَّد الكلام في القائسين ومن دان دينهم. انتهى.
ج 6 ص 1553