عطف الجماع عليه من عطف الخاصِّ على العامِّ للاهتمام به، وليس العموم ظاهرًا من الحديث الذي أورده، لكن يستفاد من باب الأولى، لأنَّه إذا شرع في حالة الجماع وهي مما أمر فيه بالصَّمت فغيره أولى، وفيه إشارة إلى تضعيف ما ورد من كراهة ذكر الله في حالين: الخلاء والوقاع، لكن على تقدير صحَّته لا ينافي حديث الباب، لأنَّه يحمل على حال إرادة الجماع [1] . انتهى.
ويشكل ذكر التَّسمية ههنا. وقد أجيب عنه وعن مثل أنواعه في (( هامش اللَّامع ) )مفصَّلًا لا بد من ذكره ههنا، لأنَّه كله مما يتعلَّق بالتَّراجم ولفظه:
اعلم أنَّ الشُّرَّاح قاطبة اختلفوا في شأن الإمام البخاري في ذكر هذه التَّراجم المختلفة، فمن ناقد عليه ومن مثبت له بدقَّة النَّظر، وأنا أيضًا في الثَّاني كما سترى _ إن شاء الله تعالى _ في التَّراجم الآتية، قال الكرماني في هذا الباب: فإن قلت: ما وجه التَّرتيب الذي لهذه الأبواب إذ التَّسمية إنَّما هي قبل غسل الوجه لا بعده، ثمَّ إنَّ توسُّط أمر الخلاء بين أبواب الوضوء لا يناسب ما عليه الوجود، قلت: البخاري لا يراعي حسن التَّرتيب، وجملة قصده إنَّما هو في نقل الحديث وما يتعلَّق بتصحيحه لا غير، ونعم المقصد. انتهى.
وقال الحافظ في (باب ما يقول عند الخلاء) : أشكل إدخال هذا الباب والأبواب التي بعده إلى باب الوضوء مرَّة مرَّة، لأنَّه شرع في أبواب الوضوء فذكر منها فرضه وشرطه وفضيلته وجواز تخفيفه واستحباب إسباغه، ثمَّ غسل الوجه ثمَّ التَّسمية، ولا أثر لتأخيرها عن غسل الوجه، لأنَّ محلها مقارنة أو جزء منه، فتقديمها في الذِّكر عنه وتأخيرها سواء، لكن ذكر بعدها القول عند الخلاء واستمر في ذكر ما يتعلَّق بالاستنجاء، ثمَّ رجع فذكر الوضوء مرَّة مرَّة، وقد خفي وجه المناسبة على الكرماني _فذكر قول الكرماني المذكور_ ثمَّ قال: وقد أبطل هذا الجواب في التَّفسير فقال: لمَّا ناقش البخاري في أشياء ذكرها من تفسير بعض الألفاظ، بما معناه: لو ترك البخاري هذا لكان
ج 2 ص 182
أولى، لأنَّه ليس من موضوع كتابه، وكذلك قال في مواضع أخر إذ لم يظهر له توجيه كلام البخاري مع أنَّ البخاري في جميع ما يورده من تفسير الغريب إنَّما ينقله عن أهل ذلك الفن، كأبي عبيدة والنَّضْر بن شُمَيل وغيرهما، وأمَّا المباحث الفقهيَّة فغالبها مستمد له من الشَّافعيِّ وأبي عبيد وأمثالهما، والعجب من دعوى الكرماني أنَّه لا يقصد تحسين التَّرتيب بين الأبواب، مع أنَّه لا يعرف لأحد من المصنِّفين على الأبواب من اعتنى بذلك غيره، حتَّى قال جمع من الأئمة: فقه البخاري في (( تراجمه ) )، وقد أبديت في هذا الشَّرح من محاسنه وتدقيقه في ذلك ما لا خفاء به، وقد أمعنت النَّظر في هذا الموضع فوجدته في بادئ الرَّأي يظن النَّاظر فيه أنَّه لم يعتن بترتيبه كما قاله الكرماني، لكنَّه اعتنى بترتيب كتاب الصَّلاة اعتناء تامًا كما سأذكره هناك، وقد يتلمَّح أنَّه ذكر أوَّلًا فرض الوضوء وأنَّه شرط لصحَّة الصَّلاة، ثمَّ فضله وأنَّه لا يجب إلَّا مع التَّيقُّن، وأنَّ الزِّيادة فيه على إيصال الماء ليس بشرط، وإنَّما زاد على ذلك من الإسباغ فضل ومن ذلك الاكتفاء في غسل بعض الأعضاء بغرفة واحدة، وأنَّ التَّسمية مع أوَّله مشروعة كما يشرع الذِّكر عند دخول الخلاء، فاستطرد من ههنا لآداب الاستنجاء وشرائطه، ثمَّ رجع ليبيِّن أنَّ الواجب الوضوء المرَّة الواحدة وأنَّ الثَّنتين والثَّلاث سُنَّة، ثمَّ ذكر سُنَّة الاستنثار إشارة إلى أنَّ الابتداء أو بتنظيف البواطن قبل الظَّواهر، وورد الأمر بالاستجمار وترًا في حديث الاستنثار فترجم به لأنَّه من جملة التَّنظيف، ثمَّ رجع إلى حكم التَّخفيف، فترجم بغسل القدمين لا بغسل الخفَّين، إشارة إلى أنَّ التَّخفيف لا يكفي فيه المسح دون مسمَّى الغسل، ثمَّ رجع إلى المضمضة لأنَّها أخت الاستنشاق، ثمَّ استدرك بغسل العقبين لئلا يظن أنَّهما لا يدخلان في مسمَّى القدم، وذكر غسل الرِّجلين في النَّعلين ردًا على من قصر في سياق الحديث المذكور، فاقتصر على النَّعلين، ثمَّ ذكر فضل الابتداء باليمين، ومتى يجب طلب الماء للوضوء، ثمَّ ذكر حكم الماء المستعمل وما يوجب الوضوء، ثمَّ ذكر الاستعانة في الوضوء، ثمَّ ما يمتنع على من كان على غير وضوء، واستمر على ذلك، إذا ذكر شيئًا من أعضاء الوضوء استطرد منه إلى ما به تعلُّق لمن يمعن التَّأمل، إلى أن أكمل كتاب الوضوء على ذلك، وسلك في ترتيب الصَّلاة أسهل من هذا المسلك، فأورد أبوابها ظاهرة التَّناسب في التَّرتيب، فكأنَّه تفنَّن في ذلك [2] . انتهى.
وقال العيني في (باب غسل الوجه باليدين) إن قلت: ما وجه المناسبة بين البابين؟ قلت: المناسبة بين البابين المذكورين وبين أكثر أبواب كتاب الوضوء غير ظاهرة، ولذلك قال الكرماني: فذكر قوله، ثمَّ قال: لا نسلم أنَّ جملة قصده نقل الحديث وما يتعلَّق بتصحيحه فقط، بل معظم قصده ذلك مع سرده في أبواب مخصوصة، ولذا بوَّب الأبواب على تراجم معيَّنة حتَّى وقع منه تكرار كثير لأجل ذلك، فإذا كان الأمر كذلك ينبغي أن تتطلب وجوه المناسبات بين الأبواب، وإن كانت غير ظاهرة بحسب الظَّاهر فنقول: وجه المناسبة بين البابين المذكورين من حيث إنَّ من جملة المذكور في الباب الأوَّل بعض وصف وضوء النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وفي هذا الباب أيضًا وصف وضوء النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فإنَّ ابن عبَّاس لمَّا توضَّأ قال: هكذا رأيت النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم يتوضَّأ، فهذا المقدار من الوجه كاف على
ج 2 ص 183
أنَّ المناسبة العامَّة موجودة بين الأبواب كلها لكونها من واد واحد، ثمَّ توجيه المناسبات الخاصَّة إنَّما يكون بقدر الإدراك. انتهى.
وقال أيضًا في موضع آخر رادا ًعلى الكرماني: فالمتأمل إذا أمعن النَّظر عرف وجوه المناسبات بين الأبواب، وإن كان الوجه وجد في بعضها ببعض التَّكلف، فنقول: ذكر عقب كتاب الوضوء ستَّة أبواب ليس فيها شيء من أوصاف الوضوء، وإنَّما هي كالمقدِّمات لها، ثمَّ ذكر الباب السَّابع الذي فيه صفة الوضوء، وكان ينبغي أن يذكره بعد أبواب الاستنجاء في أثناء أبواب صفة الوضوء، ولكنَّه ذكره بعد الباب السَّادس بطريق الاستطراد. انتهى.
وأنت ترى ما أبدى الحافظ من المناسبات أعمق ممَّا ذكر العلَّامة العيني، ومن يُمعن الفكر في هذه الأبواب يجد فيها مناسبات أدق ممَّا ذكره الحافظ أيضًا، فالظَّاهر عند هذا الفقير أنَّ المصنِّف ذكر هذا الباب بعد إسباغ الوضوء إشارة إلى أنَّه يحتاج للإسباغ إلى معاونة اليدين، فكان هذا الباب عندي تكملة لباب الإسباغ المذكور قبل، وهكذا في جملة أبواب الوضوء ذكر الباب الظَّاهر فيه عدم المناسبة لمناسبة لطيفة لما قبله، على أنَّه لا يبعد أنَّه رضي الله عنه أشار بخلاف التَّرتيب في ذكر أبواب الوضوء بالتَّفريق بين أبوابها على أنَّ التَّرتيب والولاء ليسا بشرط في الوضوء، فتأمل فإنَّه إن شاء الله لطيف، وخاطري أبو عذرة، وهكذا في (باب التَّسمية) هذا لا يرد وعندي ما أوردوه من أنَّه كان حقَّه أن يُذْكَر قبل غسل الوجه، لأنَّ (باب غسل الوجه) عندي تكملة لـ (باب الإسباغ) ، ومن ههنا شرعت أبواب آداب الاستنجاء، فذكر أوَّل أدبه التَّسمية، فأصل الغرض منه التَّسمية عند الخلاء، وإن ثبت منه التَّسمية على الوضوء أيضًا بالطَّريق الأولى، فكأنَّ المصنِّف رضي الله عنه ذكر أوَّلًا أبواب الوضوء إجمالًا من كونه فرضًا وندب الإسباغ وغيره، ثمَّ ابتدأ بالخلاء لأنَّه مقدَّم على الوضوء، وهكذا في الأبواب الآتية، إلَّا أنَّه لمَّا ذكر مسألة في محل لمناسبة لا يعيدها مرَّة أخرى لحصول المقصود بذكرها، ولذا لا يعيد غسل الوجه بعد ذلك، فتأمَّل وتشكر فإنَّه لطيف.
ثمَّ التَّرجمة التي نحن بصددها، فالمشايخ والشُّرَّاح على أنَّ المقصود منها التَّسمية على الوضوء، ثمَّ أوردوا عليها أنَّ حقَّها كان قبل غسل الوجه، وقد عرفت أنَّ المقصود منها عندي التَّسمية عند الخلاء، ولذا قدَّمها على الأبواب الآتية، وكأنَّه أشار إلى حديث التِّرمذي عن عليٍّ مرفوعًا. «سِتْرُ مَا بَيْنَ الْجِنِّ وَعَوْرَاتِ بَنِي آدَمَ إِذَا دَخَلَ الْكَنِيفَ أَنْ يَقُولَ: بِسْمِ اللهِ» [3] الحديث، قال العيني: إسناده صحيح، وإن كان أبو عيسى قال: إسناده ليس بالقوى. انتهى.
وهذا أصل مطرد من أصول التَّراجم معروفة عند المشايخ، وأمَّا على ما أفاده المشايخ والشُّرَّاح، ففي (( تراجم شيخ المشايخ ) )لمَّا لم يكن الحديث الذي روي في (باب التَّسمية قبل الوضوء) من قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «من لم يسم لا وضوء له» على شرط المؤلِّف؛ لكون بعض رواته نساء مستورة الحال، أثبت سُنِّية [التَّسمية للوضوء من الحديث الذي أورده في هذا الباب لدلالته على استحباب التَّسمية عند الوقاع الذي هو أبعد] [4] الأحوال عن ذكر الله على الوضوء بالطَّريق الأولى. انتهى.
وأنت خبير بأنَّ دلالة الحديث على التَّسمية عند الخلاء أشبه بالتَّسمية عند الوقاع من التَّسمية على الوضوء.
قال الحافظ: قوله (عند الوقاع) من عطف الخاصِّ على العامِّ للاهتمام به، وليس العموم ظاهرًا من الحديث الذي أورده، لكن يستفاد من باب الأولى، لأنَّه إذا شرع في حالة الجماع وهي ممَّا
ج 2 ص 184
أمر فيه بالصَّمت فغيره أولى، وفيه إشارة إلى تضعيف ما ورد من كراهة ذكر الله في حالين: الخلاء والوقاع، لكن على تقدير صحَّته لا ينافي حديث الباب لأنَّه يحمل على إرادة الجماع. انتهى.
وقال القسطلَّاني: قوله (الجماع) من عطف الخاصِّ على العامِّ للاهتمام به، والحديث الذي ساقه شاهد للخاصِّ لا للعامِّ، لكن لمَّا كان حالَ الوقاع أبعَدَ حالَ من ذَكر الله تعالى ومع ذلك تُسَنُّ التَّسْمِيَة فيه، ففي غيره أولى، ومن ثمَّ ساقه المصنِّف ههنا لمشروعية التَّسمية عند الوضوء، ولم يسق حديث «لا وضوء لمن لم يذكر الله عليه» [5] مع كونه أبلغ في الدَّلالة لكونه ليس على شرطه، بل هو مطعون فيه. انتهى.
وهكذا قال غير واحد من شرَّاح الحديث، ولا بد أن يرد عليه ذكر المصنِّف إياه في غير محله بوجهين: الأوَّل: تأخيره عن غسل الوجه، والثَّاني: ذكر أبواب الاستنجاء بعد التَّسمية على الوضوء ولو يراد به التَّسمية في بدء الاستنجاء، فلا إيراد أصلًا، ويثبت منه التَّسمية على الوضوء بالطَّريق الأولى، وبعموم لفظ: (على كل حال) ، فالظَّاهر عندي أنَّ الإمام أراد بهذا الباب التَّسمية عند الخلاء، ولذا قدَّمه على الدُّعاء الآتي في الباب اللَّاحق، خلافًا لما عليه عامَّة المشايخ والشُّرَّاح من حملهم إياه على التَّسمية عند الوضوء، فلو سلم فيمكن الاعتذار عن المصنِّف بذكره إياه ههنا أنَّه أشار بذلك إلى أنَّ التَّسمية في أوَّل الوضوء ليست بفرض بل هي مستحبَّة، فقدَّم الفرض وأخَّر النَّدب للتَّنبيه على مرتبتهما.
ج 2 ص 185
[1] قاله ابن حجر في الفتح:1/ 242.
[2] فتح الباري:1/ 242
[3] أخرجه الترمذي في السفر، باب ما ذكر من التسمية عند دخول الخلاء، رقم 606 وقال:"هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وإسناده ليس بذاك القوي"
[4] وقع للمؤلف نقص في نقل هذه العبارة من اللَّامع واستدركت بين حاصرتين منه.
[5] أخرجه الترمذي في الطهارة، باب في التسمية عند الوضوء، رقم 25 وقال:"وفي الباب عن عائشة، وأبي سعيد، وأبي هريرة، وسهل بن سعد، وأنس. قال أحمد بن حنبل: لا أعلم في هذا الباب حديثا له إسناد جيد"