قال شيخ الهند _ نور الله مرقده _: نقل المؤلِّف _ رحمه الله _ في هذا الباب روايتين عن جرير بن عبد الله رضى الله عنه وورد في الأولى منها «الدِّين النَّصِيحَة للهِ ولرسُولِهِ ولأَئِمَّة المسْلِمِين وعَامَّتِهم» ، وفي الثَّانية «والنُّصْحَ لكُلِّ مُسْلِم» فقط، ولكنَّ الرِّواية الأولى لما لم تكن على شرط المؤلِّف، جعلها المؤلِّف حسب عادته ترجمة، وذكر الرِّواية الثَّانية مسندة، وما نقص أكمله بالآية، وغالب الظَّنِّ أنَّ غرض المؤلِّف الأصلي في هذا المحل بيان «والنصح لكل مسلم» وهو مذكور في الرِّوايتين المرويتين في الباب، والمقصود أنَّ النُّصح والإخلاص مع المسلمين داخل في الدين والإسلام، وترك النُّصح موجب للخلل والنُّقصان، وظهر عنه مضَرَّة الغش وخداع المسلمين، ولذا ينبغي الاهتمام به أيضًا، مع جملة الأمور الإيمانية، فالنُّصح لله ولعباده المؤمنين وتصحيح المعاملة معهما من كمال الإيمان، والله الموفق.
وكتب الشَّيخ في (( اللَّامع ) )قوله: «الدِّين النَّصيحة» وهي متفاضلة، فيتفاضل الدِّين وهو الإيمان. انتهى.
وفي (( هامشه ) )نبَّه الشَّيخ بذلك على مناسبة الباب بكتاب الإيمان، وقال الكرماني: هو حديث عظيم الشَّأن وعليه مدار الإسلام، وبسط الكلام على ذلك في (( هامش اللَّامع ) )تحت حديث جرير.
وفي (( تحفة القاري ) )للأعزَّ المحترم مولانا محمد ادريس الكاندهلوي، ختم الكتاب بـ (باب قول النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: الدِّيْنُ النَّصِيْحَة) وأورد فيه حديثًا جامعًا لحقوق الله تعالى، وحقوق رسوله، وحقوق المسلمين كافَّة، وشاملًا لجميع أمور الدِّين وشعب الإيمان إجمالًا، فأشار البخاري إلى أنَّ النَّصيحة عظيمة من شعب الإيمان إلى آخر
ج 2 ص 143
ما بسطه.
وتقدَّم شيء من ذلك في أوَّل الكتاب تحت حديث «إنَّ الأَعْمَال بالنِّيَّات» ، وأفاد العزيز مولوي محمد يونس سلمه في وجه تأخير هذا الباب: أنَّ المصنِّف لعلَّه لمح بتأخير هذا الباب عن الأبواب الباقية إلى أنَّه كان يقول: كلُّ ما أوردت في هذا الكتاب من المسائل الإيمانية من أنَّه مركَّب من قول وعمل، ويزيد وينقص، وغير ذلك، إنَّما أردت به النَّصيحة لله و لرسوله وللمسلمين، امتثالًا لقول النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ولم أقصد محض الرَّدِّ على أحد، بل كان مقصودي بذلك بذل المجهود في النُّصح للمسلمين، والله أعلم.
ج 2 ص 144