قد يذكر حديثا لا يدل هو بنفسه على التَّرجمة أصلًا، لكن له طرق، وبعض طرقه يدل عليها إشارة أو عموما، وقد أشار بذكر الحديث إلى أن له أصلًا يتأكد به ذلك الطريق، ومثلُ هذا لا ينتفع به إلَّا المهرة من أهل الحديث. انتهى.
هكذا أفاد الشَّيخ _قدس سره_ وجعله كله أصلًا واحدًا، وإلَّا ففي الحقيقة هما أصلان مطَّرِدان كثيرًا الوقوع في الجامع.
الأوَّل: أنَّه يشير به إلى بعض طرقه الواردة في الصَّحيح في الموضع الآخر، وأشار إلى ذلك الشَّيخ بأول كلامه.
والثَّاني: أن يشير بذلك إلى بعض طرقه الواردة في الكتب الأُخر من غير الجامع، وإليه أشار الشَّيخ بآخر كلامه بقوله: أشار إلى أنَّ له أصلا صحيحًا. انتهى.
وجعلهما شيخ الهند _رحمه الله_ أيضًا في أصول تراجمه أصلًا واحدًا، وباتباعهما _قدس سرهما_ جعلته أصلًا واحدًا، وإلَّا فهما أصلان متغايران جدًا، جديران بأن يفرد كل واحد منهما عن الآخر.
وبسَطَ الكلام على ذلك شيخ الهند في الأصل السَّادس من أصول تراجمه إذ قال: قد يذكر المصنِّف في الباب حديثا لا تعلق له بالتَّرجمة أصلًا، لكنَّه _رحمه الله_ يذكر هذا الحديث في باب آخر من صحيحه، ويكون فيه ما يُثْبتُ التَّرجمة الأولى صريحا، ومن لم يعرف ذلك يتكلف في التَّطبيق بين التَّرجمة الأولى وحديثها تكلفات باردة.
مثاله: أنَّه ترجم في أول كتابه باب السَّمَرِ فِي العِلْمِ وأورد فيه حديث ابن عباس رضي الله عنهما: «بتُّ في بيت خالَّتي ميمونة رضي الله عنها .. » . الحديث، ولا ذكر فيه للسَّمر أصلًا، فاضَّطر الشُّراح في ذلك إلى تأويلات باردة، كلها بمعزل عن الحقيقة، وأجاد في ذلك الحافظ ابن حجر _رحمه الله_ في شرحه إذ قال: إن المصنف أخرج الحديث في كتاب التَّفسير وفيه زيادة وهي قوله: «فتحدث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مع أهله ساعة» وهذه الجملة نصٌّ في إثبات التَّرجمة الأولى. انتهى.
قلت: وتمام كلام الحافظ في الباب المذكور، بعد ذكره التَّوجيهات العديدة عن الشُّراح الأخر: وكل ذلك معترَض، والأولى من هذا كله أن مناسبة التَّرجمة مستفادة من لفظ آخر في هذا الحديث بعينه من طريق أخرى، وهذا يصنعه المصنف كثيرًا، يريد به تنبيه النَّاظر في كتابه على الاعتناء بتتبع طرق الحديث، والنَّظر في مواقع ألفاظ الرُّواة؛ لأنَّ تفسير الحديث بالحديث أولى من الخوض فيه بالظن، وإنما أراد البخاري هنا ما وقع في بعض طرق هذا الحديث، مما يدل صريحا على حقيقة السَّمر، وهو ما أخرجه في التفسير بلفظ «تحدث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مع أهله ساعة
ج 1 ص 24
ثم رقد .. ». الحديث، فصحت التَّرجمة صريحا بحمد الله من غير حاجة إلى تعسف ولا رجم بالظن [1] . انتهى مختصرًا.
قلت: هو كذلك، فإن الإمام البخاري رضي الله عنه أخرج الحديث بهذه الزِّيادة في باب قَوْلِهِ: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} الآية [البقرة:164] .
ثم قال شيخ الهند _رحمه الله_ في هذا الأصل السادس المذكور: وتارة يكون الحديث الَّذي فيه جملة مثبتة للتَّرجمة، لا يكون على شرط المؤلف وإن كان صحيحًا، لكنَّه لما لم يكن على شرطه لا يذكره المؤلف في صحيحه، ولا يظفر بذلك إلَّا من تتبع كتب الحديث. انتهى مختصرًا.
وهذان الأصلان مُطَّرِدان في صحيحه، قد أخذهما الحافظ ابن حجر في المواضع الَّتي لا تحصى من شرحه.
منها ما قال في باب كَنْسِ المَسْجِدِ وَالتِقَاطِ الخِرَقِ وَالقَذَى وَالعِيدَانِ الَّذي يظهر لي من تصرف البخاري أنَّه أشار بذلك إلى ما ورد في بعض طرقه صريحا [2] ثم ذكر الطُّرق المصرحة بذلك.
وقال في باب دَلْكِ الْمَرْأَةِ .. إلى آخره: جرى على عادته في التَّرجمة بما تضمنه بعض طرق الحديث [3] .
وقال في بَابُ أُمُورِ الإِيمَانِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {لَيْسَ البِرَّ أَنْ تُوَلُّوا ... } الآية [البقرة:177] : وجه الاستدلال بهذه الآية ومناسبتها لحديث الباب تظهر من الحديث الَّذي رواه عبد الرَّزاق وغيره ورجاله ثقات، ولم يسقه المصنف لأنَّه ليس على شرطه، فإن قيل ليس في المتن ذكر التَّصديق. أجيب: بأنَّه ثابت في أصل هذا الحديث، كما أخرجه مسلم وغيره، والمصِّنف يكثر الاستدلال بما اشتمل عليه المتن الَّذي يذكر أصله ولم يسقه تامًّا [4] . انتهى ملخصًا وهذا من الأصل الثَّاني من هذين الأصلين.
وقال أيضًا في باب الفُتْيَا وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى الدَّابَّةِ في كتاب العلم: فإن قيل ليس في سياق الحديث ذكر الرُّكوب. فالجواب: أنَّه أحال به على الطَّريق الأخرى الَّتي أوردها في الحج، فكان على ناقته، ترجم له باب الفُتْيَا عَلَى الدَّابَّةِ. انتهى. وهذا من الأصل الأوَّل من الأصلين المذكورين.
والعجب من العلامة العيني _قدس سره_ أنَّه أورد على الحافظ في الباب المذكور إذ قال: وأجاب بعضهم بأنَّه أحال به على الطَّريق الأخرى الَّتي أوردها في الحج، وبُعْدُ هذا الجواب كبعد الثَّرى من الثُّريا، فكيف يعقد باب بترجمة، ثم يُحَال ما يطابق ذلك على حديث يأتي في باب آخر. انتهى.
وأشد التَّعقب على الحافظ في باب السَّمر في العلم فقال رادا على كل جزء من كلامه: وأما قوله: والأولى من هذا كله إلى آخره، فكلام ليس له توجيه أصلا، فضلا عن أن يكون أولى من غيره، لأنَّ من يعقد بابًا بترجمة ويضع فيه حديثا، هل يقال مناسبة التَّرجمة في هذا الباب يستفاد من ذلك الحديث الموضوع في باب آخر؟ فما أبعد هذا الكلام! وأبعد من هذا البعيد أنَّه علله بقوله: لأنَّ تفسير الحديث بالحديث أولى من الخوض فيه بالظن، فسبحان الله هؤلاء ما فسَّروا الحديث، بل ذكروا مطابقة الحديث بالتَّرجمة وما ذكره هو الرَّجم بالظَّن [5] . انتهى ملخصًا.
ومع هذا كله فقد أخذ بهذا الأصل بنفسه أيضًا، إذ قال في بابٌ منْ حَمَلَ جَارِيَةً صَغِيرَةً على عُنقِهِ وقد أخرج فيه البخاري حديث أبي قتادة في صلاته صلَّى الله عليه وسلَّم حاملًا أمامة بنت زينب، فقال العيني: مطابقته ظاهرة، فإن قلت: أين الظُّهور وقد خص الحمل بكونه على العنق ولفظ الحديث أعم من ذلك؟ قلت: كأنَّه أشار بذلك إلى أن الحديث له طرق أخرى، منها لمسلم من طريق بَكر وصرح فيه على عنقه، وكذا لأبي داود وأحمد من طريق أخرى. انتهى مختصرًا.
وهكذا أخذ العلامة العيني في باب تسوية الصُّفوف عند الإقامة وبعدها إذ قال: مطابقته للتَّرجمة في لفظ التَّسوية ظاهرة،
ج 1 ص 25
وليس فيه ما يطابق بقوله عند الإقامة وبعدها، ولكنَّه أشار بذلك إلى ما في بعض طرق الحديث ما يدل على ذلك. انتهى.
وقال في باب التَّقَاضي والملازمة: «وجه مطابقة الحديث للتَّرجمة في التَّقَاضي ظاهر، وأما بالملازمة فبوجهين، ثانيهما أنَّه أخرج هذا الحديث في عدة مواضع، منها في باب الصُّلح و باب الملازمة بلفظ فلزمه، فكأنَّه أشار بالملازمة إلى الحديث المذكور، على أنَّ ما ذكره في عدة مواضع كلها حديث واحد، وله عادة في بعض المواضع يذكر التراجم بهذه الطريقة» . انتهى ملخصًا.
فجملة الكلام أنَّ هذين الأصلين مطردان في صحيحه أخذهما الشُّراح قاطبة.
ولا يلتبس عليك هذا الأصل بالأصل الثَّامن والثَّلاثين ولا الحادي والأربعين.
ج 1 ص 26
[1] فتح الباري:1/ 213.
[2] فتح الباري:1/ 553.
[3] فتح الباري:1/ 414.
[4] فتح الباري:1/ 51 مختصرا.
[5] عمدة القاري:2/ 178.