اختلفت الشُّرَّاح في المراد بالفضل هل هو الباقي في الإناء أو المتقاطر من الأعضاء؟ أي: الماء المستعمل، وذكر الكرماني الاحتمالين ورجَّح الثَّاني، والحافظ الأول.
وقال السِّندي: أراد بالفضل ما يعم الباقي في الظَّرف، والمتقاطر من الأعضاء.
والأوجه عندي أنَّ الفضل لمَّا كان محتملًا للمعنيين نبَّه عليه المصنِّف بالبابين.
والأوجه عندي أنَّه أشار بالباب الأوَّل إلى الماء المتقاطر، أي: المستعمل، كما هو ظاهر الرِّوايات الواردة في هذا الباب لا سيما رواية قصَّة الحديبية، وأشار بالباب الثَّاني بلا ترجمة إلى المعنى الثَّاني، أي: الباقي في الظَّرف.
وكتب الشَّيخ في (( اللَّامع ) )قوله: (باب استعمال فضل ... إلى آخره) واستدلاله هذا مبني على عدم الفصل بين الطَّاهر والطُّهور، وبينهما فرق لا يخفى، والذي يثبت بالرِّواية طهارة الماء المستعمل وهو مُسَلَّم، وأمَّا الرِّواية الثَّانية فلم تقم فيها قُرْبَة حتَّى يلزم زوال الماء عن صفته والكلام فيه، فكأنَّه لم يفرِّق بين الغسل لأجل قربة، وبينه بدونها، وكذلك الرَّابعة لا تثبت إلَّا جواز شربه وهو مسَلَّم، والحاصل أنَّ النَّزاع في طهورية الماء الذي أقيمت به قربة والذي أثبتوه بالرِّوايات أعم من ذلك فلا يفيد. انتهى.
وكلام الشَّيخ _ قُدِّس سرُّه _ مبني على اختلافهم في حكم الماء المستعمل، وبسط الكلام على ذلك في (( هامش اللَّامع ) )، والجملة أنَّ فيه عن الإمام أبي حنيفة ثلاث روايات:
الأولى: طاهر لا طهور وهو رواية محمَّد عنه، وهو قوله وقول الشَّافعيِّ في الجديد، وظاهر مذهب أحمد كما في المغني، وإحدى الرِّوايتين عن مالك، وهو المفتى به عند الحنفيَّة.
والثَّانية: نجس نجاسته خفيفة، وهي رواية أبي يوسف عنه.
والثالثة: نجس نجاسة غليظة، وهي رواية الحسن عنه، وعن أحمد أنَّه طاهر ومطهِّر وبه قال أهل الظَّاهر، ورواية عن مالك والشَّافعيِّ. انتهى ملخصًا من (( هامش اللَّامع ) ).
وفي (( هامشي على البذل ) )عن ابن رسلان: أنَّ مذهب مالك أنَّه طاهر ومطهِّر، وفي (( المنهل ) )قال مالك: إنَّه طاهر مطهَّر،
ج 2 ص 201
وحكى مولانا حسين علي الدمنهوري في (( تقريره ) )عن شيخنا الكنكوهي _قُدِّس سرُّه_: المذهب عندنا أنَّ الماء المستعمل طاهر غير طهور، أمَّا الطَّهارة فللحديثين الآتيين، وأمَّا عدم طهوريته هو رواية، فمن ما يعلم من عدم أمره صلَّى الله عليه وسلَّم أن يتوضَّأ بالوضوء الذي وضيء به مع عدم الماء في حالات السَّفر، وأمَّا الماء المستعمل القليل إذا اختلط بالماء الآخر فيتوضَّأ لطهارته ومغلوبيته، وعليه يدلُّ أمر جرير أهله. انتهى.
ج 2 ص 202