لمَّا ذكر في الباب السَّابق طلب الماء للوضوء استطرد إلى ذكر أحكام المياه من الطَّهارة والنَّجاسة، لأنَّ الماء الذي يطلب للوضوء هو الذي يجوز به الوضوء، ولا يبعد أنَّ المصنِّف ذكر هذا الباب لمناسبة الحديث السَّابق الذي فيه نبع الماء من يده الشَّريفة التي كانت عليها الشُّعُور.
وقال السِّندي: اعلم أنَّ وضع هذا الباب أصالة لبيان حكم الماء الذي يغسل به شَعَر الإنسان، وحكم سؤر الكلاب، ثمَّ ذكر استطرادًا حكم ممر الكلاب، أي إذا مرَّت الكلاب في المسجد فهل يحتاج إلى غسل البقعة التي مرَّت فيها أو لا؟ وكذا ذكر حكم أكل الكلاب، أي: إذا أكلت الكلاب من الصَّيد فهل يؤكل بقيَّة ذلك الصَّيد أم لا؟ فالإضافة في أكلها من إضافة المصدر إلى الفاعل، فصار الباب موضوعًا لبيان حكم أربعة أشياء، ثمَّ بعد أن فرغ من ذكر أدلة طهارة الماء الذي يغسل به شعر الإنسان، أراد أن يزيد في التَّرجمة حكم شيء خامس وهو الإناء، بأنَّه يجب غسله سبعًا، ليصير الباب موضوعًا لبيان حكم خمسة أشياء، إلَّا أنَّ هذا الخامس لمَّا صار بعيدًا عن الباب أعاد له اسم الباب فقال: باب إذا شرب الكلب ... إلى آخره، ثمَّ ذكر أدلَّة ما بقي من الأمور الخمسة، هذا ما يتعلق بتحقيق التَّرجمة [1] . انتهى.
وقال صاحب (( الفيض ) )إنَّ المصنِّف _ رحمه الله _ ذكر فيها مسألة الأنْجَاس والآسَار دون
ج 2 ص 194
مسألة المياه كما اختاره الحافظ، إلى آخر ما فيه.
وكتب الشَّيخ _ قُدِّس سرُّه _ في (( اللَّامع ) )لعلَّه قصد بذلك أنَّه طاهر، ونحن نقول نعم، إلَّا أنَّا أُمرنا بترك الانتفاع به إكرامًا له، وكذا بسائر أجزائه، فأمَّا قول عطاء بجواز اتِّخاذ الخيوط والحبال فالغرض منه أنَّ ذلك جائز نظرًا إلى طهارته وإن كانت كراهة الانتفاع تمنعه، والحاصل أنَّ الإباحة والحرمة قد تكونان مبنيتين على علَّتين متغايرتين مع وجودهما في شيء واحد، فيجوز الحكم بالحرمة أو الإباحة عينًا نظرًا إلى تلك العلَّة المبنيَّة عليها إحداهما فإنَّها تثبت فيه خلاف ما أثبته تلك العلَّة، وعلى هذا فقد تطرق في حكم شعر الإنسان احتمالان إباحة الانتفاع بأجزائه نظرًا إلى الطَّهارة وحرمته لما فيه من إهانته، وقد أمرنا بإكرامه، وقد ثبت أنَّ التَّرجيح فيما اجتمع فيه المحرَّم والمبيح للمحرَّم، فيكون الحكم في الشَّعر هو الحرمة، وعلى هذا يحمل قول عطاء، فافهم. انتهى.
وبسط في (( هامشه ) )اختلاف العلماء في جواز الانتفاع بالشُّعور، وفي (( تراجم شيخ المشايخ ) )مذهب المؤلِّف في هذه المسألة مثل مذهب أبي حنيفة من أنَّ شعر الآدمي طاهر، والماء الذي يغسل فيه أيضًا طاهر خلافًا للشَّافعيِّ، وأثبت بحديثي الباب ذلك بالدَّلالة الالتزامية، وقول عطاء أيضًا يفيده. انتهى.
قال الحافظ: وجه الدَّلالة من الحديث على التَّرجمة أنَّ الشَّعر طاهر، وإلَّا لما حفظوه ولا تمنَّى عبيدة أن يكون عنده شعرة واحدة منه. انتهى.
قوله: (وسؤر الكلاب) عطف على الماء، أي: و (باب سؤر الكلاب) كذا في (( الفتح ) )، وفي (( التَّراجم ) )مذهب البخاري في ذلك موافق لمذهب مالك من أنَّ سؤرها طاهر، وأمر الغسل سبعًا تعبدي. انتهى.
ج 2 ص 195
[1] حاشية السِّندي:1/ 30