فهرس الكتاب

الصفحة 2415 من 4610

(( 62 ))[كتاب فضائل الصحابة]

قال الحافظ:"أي: بطريق الإجمال ثم التفصيل، أمَّا الإجمال؛ فيشمل جميعهم، لكنه اقتصر فيه على شيء مما يوافق شرطه، وأمَّا التفصيل فلمن ورد فيه شيء بخصوصه على شرطه، وسقط لفظ (باب) من رواية أبي ذر وحده". انتهى.

قلت: وللصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين فضيلة يشمل جميعهم ويعم كلهم، وهي أنَّهم رضي الله عنهم من خير القرون ابتداءًاوانتهاءًا أمَّا الأول؛ فلحديث أبي هريرة «بُعِثْتُ مِن خَير قُرُون بني آدمَ قَرْنًا فقَرْنًا» كما تقدم في (باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم) وأمَّا باعتبار الانتهاء؛ فلحديث «خيرُ القُرُون قَرْني، ثمَّ الذين يلَونَهُم» الحديث، وتوضيح الكلام قد مر معنا في (باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم) .

ثم إنَّ العلماء قد ذكروا ترتيب الصحابة من حيث التفضيل مجملًا، فكتب مولانا أحمد علي المحدث السهارنفوري في (( هامش البخاري ) )وفي (( شرح الستة ) )قال أبو منصور البغدادي: أصحابنا مجمعون على أنَّ أفضلهم الخلفاء الأربعة على ترتيب الخلافة، ثم تمام العشرة، ثم أهل بدر، ثم أُحُد، ثم بيعة الرضوان، ومن له مزية من أهل العَقَبَتَين من الأنصار، وكذلك السابقون الأولون، وهم من صلى القبلتين، وقيل: أهل بيعة الرضوان. انتهى.

قوله (ومَن صَحِب النَّبِي صَلى الله عَليه وسَلَّم أو رَآه ... إلخ) "يعني: أنَّ اسم صحبة النبي صلى الله عليه وسلم مُسْتَحَقٌّ لمن صَحِبه أقلَّ ما يُطلق عليه اسم صُحْبَة لغة، وإن كان العُرف يخصُّ ذلك ببعض المُلازَمَة، ويُطلق أيضًا على من رآه رؤية ولو على بُعْدٍ وهذا الذي ذكره البخاري هو الرَّاجِح إلا أنه هل يشترط في الرائي أن يكون بحيث يُمَيِّز ما رآه أو يكتفى بمجرد حصول الرؤية؟ محلُّ نَظَر، وعملُ من صنَّف في الصحابة يدل على الثاني، فإنَّهم ذكروا مثل محمد بن أبي بكر الصديق، وإنَّما ولد قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بثلاثة أشهر وأيام، كما ثبت في الصحيح أنَّ أُمَّه أسماء بنت عُمَيْس ولدَتْه في حَجَّة الوداع قبل أن يدخلوا مكة، وذَلك في أواخر ذي القعدة سنة عشر من الهجرة، ومع ذلك فأحاديث هذا الضَّرب مرَاسِيل، والخلاف الجاري بين الجمهور وبين أبي إسحاق الإسفرايني ومن وافقه على ردِّ المراسيل مُطْلقًا حتى مراسيل الصحابة لا يجري في أحاديث هؤلاء، لأنَّ أحاديثهم لا من قبيل مراسيل كبار التابعين ولا من قبيل مراسيل الصحابة الذين سمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا ممَّا يُلْغَزُ به، فيقال: صحابي حديثه مرسل لا يقبله من يقبل مراسيل الصحابة، ومنهم من بالغ، فكان لا يعد في الصحابة إلَّا من صَحِبَ الصُّحْبة العُرفية كما جاء عن عاصم الأحول، قال: رأى عبد الله بن سَرْجَسٍ رسُول الله صلى الله عليه وسلم غير أنَّه لم يكن له صحبة أخرجه أحمد، وكذا روي عن سعيد بن المسيّب أنَّه كان لا يَعُدُّ في الصحابة إلَّا مَن أقامَ مع النبي صلى الله عليه وسلم سنةً فصاعدًا، أو غزا معه غزوةً فصاعدًا، والعمل على خلاف هذا القول؛ لأنَّهم اتفقوا"

ج 4 ص 871

على عَدِّ جمعٍ جمٍّ في الصَّحَابة لم يجتمعوا بالنبي صلى الله عليه وسلم إلَّا في حجة الوداع، ومن اشترط الصُّحبة العُرفية أخرج من له رؤية أو من اجتمع به، لكن فارقه عن قرب، ومنهم من اشترط في ذلك أن يكون حين اجتماعه به بالغًا، وهو مردود أيضًا؛ لأنَّه يُخرج مثل الحسن بن علي ونحوه من أحداث الصحابة، والذي جزم به البخاري هو قول أحمد والجمهور من المحدثين، وقول البخاري (من المسلمين) قيد يخرج به من صحبه أو من رآه من الكفار، فأمَّا من أسلم بعد موته منهم؛ فإن كان قوله من المسلمين حالًا خرج من هذه صفته وهو المعتمد، ويرِدُ على التَّعريف من صحبه أو رآه مؤمنًا به، ثم ارتد بعد ذلك ولم يعد إلى الإسلام فإنَّه ليس صحابيًا اتفاقًا، فينبغي أن يزاد فيه ومات على ذلك مثل ربيعة بن أمية بن خلف الجُمَحِي، وقد وقع حديثه في (( مسند ) )أحمد، وإخراج حديث مثل هذا مشكل، ولعل من أخرجه لم يقف على قصة ارتداده، فلو ارتدَّ ثم عاد إلى الإسلام لكن لم يره ثانيًا بعد عوده فالصحيح أنَّه معدود في الصحابة لإطباق المحدثين على عد الأَشْعَث بن قيس ونحوه ممن وقع له ذلك، وهل يختص جميع ذلك ببني آدم أو يعم غيرهم من العقلاء؟ محل نظر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت