كتب شيخ المشايخ في (( التَّراجم ) )أي هو جائز، أثبت بالحديث الأوَّل، والثَّاني بالطَّريق الأولى، وهكذا قرره الشُّرَّاح، وعندي أنَّ غرض المؤلِّف من عقد الباب ليس إلَّا إثبات جواز البول قائمًا، فكأنَّه قال: يجوز البول قائمًا أيضًا، ولا ينحصر جوازه في القعود فقط.
قلت: ما قالته الشُّرَّاح هو الأصل التَّاسع عشر المتقدِّم في الجزء الأوَّل من أصول التَّراجم، وفي (( هامش اللَّامع ) )قال ابن بطال وتبعه الكرماني: إنَّ دلالة الحديث على القعود بطريق الأولى.
وقال الحافظ: يحتمل أن يكون أشار بذلك إلى حديث عبد الرَّحمن بن حَسَنَة الذي أخرجه النِّسائي وغيره، فإن فيه: «بَال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم جَالسًا، فقلنا: انظروا إليه يَبُول كَمَا تَبُول المرأة» ، إلى آخر ما بسطه الحافظ.
وهذا أيضًا أصل مُطَّرد عند الحافظ: كما تقدَّم في الأصل الثَّامن والثَّلاثين من الأصول المتقدِّمة.
وتعقَّب العيني على كلام ابن بطال والحافظ معًا، ثمَّ قال: والأحسن أن يقال: لم يذكر القعود لشهرته، وعمل النَّاس عليه، أو إشارة إلى أنَّه لم يجد على شرطه. انتهى.
ولا يدخل هذا في الأصل التَّاسع والثَّلاثين، لأنَّ جواز البول قاعدا متَّفق عليه، والأوجه عندي أنَّ الإمام البخاري مال في ذلك إلى مسلك من أباحه مطلقًا، كسعيد بن المسيِّب، وعروة بن الزُّبير، وقال مالك: إن كان في مكان لا يتطاير منه شيء فلا بأس به وإلَّا فمكروه، ومذهب الحنابلة كما في المغني: يستحبُّ أن يبول قاعدًا لئلَّا يترشَّش، وفي نيل المآرب: ولا يكره البول قائمًا ولو لغير حاجة بشرطين: الأوَّل: أن يأمن تلويثًا، والثَّاني: أن يأمن ناظرًا، وقال عامَّة العلماء: إنَّه مكروه كراهة تنزيه إلَّا لعذر وهو مذهب الحنفيَّة، فلمَّا كان مختلفًا فيه أثبت جوازه، ولم يذكر للقعود دليلًا لكونه متَّفقًا عليه، وزاد لفظ: القعود في التَّرجمة لئلَّا يوهم أفضليته، فإنَّه
ج 2 ص 214
لو ترجم بالبول قائما وذكر فيه حديث الباب أوهم استحبابه لكونه فعله صلَّى الله عليه وسلَّم. انتهى. ملخَّصا من (( هامش اللَّامع ) )بزيادة من (( الأوجز ) ).
ج 2 ص 215