كتب الشَّيخ في (( اللَّامع ) )كأنَّ بعضهم لمَّا ذهب إلى أنَّ الحرام إنَّما هو التَّحري بصلاته للطُّلوع والغروب، لا مطلق وقوع صلاته في هذين الوقتين، نبَّه على حجَّتهم في ذلك، وقد بيَّن قبل ذلك حُجَّة من ذهب إلى عموم النَّهي عن التَّحرِّي والوقوع. انتهى.
ما أفاده الشَّيخ _ قُدِّس سرُّه _ واضح، فإنَّهم اختلفوا في الصَّلاة في الأوقات المنهيَّة على أقوال بسطت في (( الأوجز ) )، ولا يذهب عليك أنَّ الإمام البخاري فرَّق بين التَّرجمتين إذ أطلق التَّرجمة الأولى، أي: (الصَّلاة عند الطُّلوع) ، وقيَّد الثَّانية، أي (الصَّلاة عند الغروب) بالتَّحرِّي، ولم يتعرَّض لذلك أحد من الشُّرَّاح ولا المشايخ سوى العلَّامة السِّندي مع أنَّ الأحاديث الواردة في التَّرجمتين على نسق واحد من إطلاق النَّهي في الصَّلاتين معًا، وكذا التَّحري ورد فيهما معًا، فكيف غاير الإمام؟ وتنبَّه لذلك السِّندي، لكنَّه سعى باتِّحاد التَّرجمتين إذ قال: أمَّا التَّحرِّي فلعلَّ المراد منه مطلق القصد إلى الوقتين لأجل إيقاع الصَّلاة فيهما بناء على أنَّ الصَّلاة فعل اختياري فمن يفعلها فيهما يقصدهما لأجلها، فتوافقت الأحاديث على إطلاق النَّهي إلى أن قال: وعلى هذا فذكر التَّحري في أحد البابين دون الآخر إمَّا لمجرد التَّفنُّن أو للدِّلالة على أنَّ التَّحري لا دخل له في الخصوص، ويمكن أن يقال: ذكر التَّحري في العصر؛ لأنَّ العصر ورد فيها أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم صلى بعدها بخلاف الفجر، لكنَّ هذا لا يناسب بالأحاديث، فإنَّها في الباب سواء. انتهى.
وما يظهر لهذا المبتلى بالسَّيِّئات أنَّ المصنِّف فرَّق بين التَّرجمتين عمدًا أو قصدًا لدقَّة نظره وعموم اجتهاده، لأنَّ الصُّبح لم يرد فيها على شرط البخاري ما يغاير النَّهي نصًّا بخلاف بعد العصر، فإنَّه
ج 2 ص 318
صحَّ عند البخاري فيه ما ينافي إطلاق النَّهي، كما سيأتي قريبًا في (باب ما يصلَّى بعد العصر) فأطلق المؤلِّف في الصُّبح، وقيَّد النَّهي بعد العصر بالتَّحري جمعًا بين الرِّوايات، وإشارة إلى أنَّ الرَّاجح عنده في الصُّبح مسلك الجمهور في إطلاق النَّهي، وترجح عنده في العصر مسلك بعض الظَّاهريَّة أنَّ النَّهي مقيَّد بالتَّحرِّي.
قال الحافظ: لا تُكْره الصَّلاة بعد الصُّبح والعصر إلَّا لمن قصد بصلاته طلوع الشَّمس وغروبها، وإلى ذلك جنح بعض أهل الظَّاهر وقوَّاه ابن المنذر. انتهى.
ويرد على المؤلِّف إيراد روايات التَّحرِّي في الباب الأوَّل، وإيراد روايات الإطلاق في الباب الثَّاني، والجواب عنه واضح، وهو أنَّه أشار بالتَّرجمتين إلى أنَّ روايات التَّحرِّي في الصُّبح محمولة عنده على الإطلاق، كما أنَّ إطلاق الرِّوايات في العصر عنده مقيَّد بالتَّحرِّي، فتكون التَّرجمة شارحة كما هو أصل مطَّرد للبخاري، فتأمَّل فإنَّ خاطري أبو عذرة، فإن كان صوابًا فمن الله، وإن كان خطأ فمني ومن الشَّيطان، والإمام البخاري منه بريء. انتهى من (( هامش اللَّامع ) ).
ج 2 ص 319