كتب الشَّيخ _ قُدِّس سرُّه _ في (( اللَّامع ) )قصد بذلك أنَّ التَّسَتُّر أفضل وإن كان خاليًا، كما يدلُّ عليه تعليله، ويمكن أن يكون ذلك حيث خاف أن يطَّلع عليه أحد، وأمَّا إذا أمن كما في المغتسل فلا، فلا يكون ذلك خلافًا لما هو المشهور بين علمائنا. انتهى.
وفي (( هامشه ) )اعلم أنَّ الإمام البخاري ترجم ههنا بترجمتين: الأولى هذه، والثَّانية الآتية بقوله: (باب التَّستُّر) وعامَّة المشايخ والشُّرَّاح كلهم على أنَّ المراد بالأولى جواز الاغتسال عُريانا في الخلوة مع أفضلية التَّسَتُّر، والمراد بالثَّانية حرمته بمحضر من النَّاس.
قال الحافظ في التَّرجمة الأولى: قوله: في خلوة، أي: من النَّاس، وهو تأكيد لقوله: وحده، وقال في الثَّانية: لمَّا فرغ من الاستدلال لأحد الشِّقين وهو التَّعري في الخلوة أورد الشِّقَّ الآخر. انتهى. ونحوه قال غيره من الشُّرَّاح.
وقال شيخ المشايخ في (( التَّراجم ) ): (باب من اغتسل عريانا) ، أي هو جائز، والأولى السِّتر في ذلك الوقت أيضًا، ثمَّ قال (باب التَّستر في الغسل) ، أي: أنَّه واجب. انتهى.
ج 2 ص 232
والأوجه عند هذا العبد الضَّعيف أنَّ غرض التَّرجمة الأولى هو الذي أفادوه، وليس الغرض من التَّرجمة الثَّانية الشِّقِّ الثَّاني، أي: إيجابه عند النَّاس، فإنَّه معروف لا يحتاج إلى إثباته، ولا يختَصُّ بالغسل فإنَّ التَّعرِّي بمحضر من النَّاس حرام مطلقًا، وأيضًا إذا أثبت المصنِّف أفضليَّة التَّستُّر في الوحدة فأي فاقة بقيت إلى إثبات التَّستُّر من أعين النَّاس؟ فالأوجه عندي في غرض التَّرجمة الثَّانية إثبات أفضلية التَّستُّر لأعلى البدن، وإن كان الغسل بالإزار كما يومئ إليه الرِّوايات الموردة فيها.
وقال العيني: لا خلاف في أنَّ التَّستُّر أفضل كما قاله البخاري، وبجواز الغسل عُريانا في الخلوة، قال مالك والشَّافعيُّ وجمهور العلماء، وروي عن ابن عبَّاس أنَّه لم يكن يغتسل في بحر ولا نهر إلَّا وعليه إزار، وإذا سئل عن ذلك قال: إنَّ له عامرًا، وروي عن عطيَّة مرفوعًا: من اغتسل بليل في فضاء فليحاذر على عورته، ومن لم يفعل ذلك وأصابه لمم فلا يلومنَّ إلَّا نفسه، ونصَّ أحمد فيما حكاه ابن تيميَّة على كراهة دخول الماء بغير إزار. انتهى مختصرًا.
وأنت خبير بالفرق بين الغسل في الصَّحراء عُريانًا، وبين الغسل في المستحم والأبنية المعدَّة لذلك، كما أشار إليه الشَّيخ في (( تقريره ) )بقوله: كما يدلُّ عليه تعليله، وهو قوله عليه الصَّلاة والسَّلام: «فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحَى مِنْهُ مِنَ النَّاسِ» ، قال الموفَّق: من اغتسل عريانًا بين النَّاس لم يجز ذلك، لأنَّ كشفها للنَّاس محرَّم، وإن كان خاليًا جاز، ويسحب التَّستُّر وإن كان خاليًا، وقال أحمد: لا يعجبني أن يدخل الماء إلَّا متستِّرًا. انتهى.
وقال الكرماني: قال العلماء كشف العورة في الخلوة بحيث لا يراه آدمي إن كان لحاجة جاز، وإن كان لغير حاجة ففيه خلاف في كراهته وتحريمه، والأصحُّ عند الشَّافعيِّ أنَّه حرام. انتهى ملخَّصًا من (( هامش اللَّامع ) )والبسط فيه.
ج 2 ص 233