قال القاضي أبو بكر ابن العربي: بدأ المصنِّف بالنَّظر في فضل العلم قبل النَّظر في حقيقته، وذلك لاعتقاده أنَّه في نهاية الوضوح، فلا يحتاج إلى تعريف، أو لأنَّ النَّظر في حقائق الأشياء ليس من فنِّ الكتاب، وكل من القَدْرَيْنِ ظاهر، لأنَّ البخاري _ رحمه الله _ لم يضع كتابه لحدود الحقائق وتصورها، بل هو جار على أساليب العرب القديمة، فإنَّهم يبدؤون بفضيلة المطلوب للتَّشويق إليه إذا كانت حقيقته مكشوفة، كذا في (( الفتح ) ).
قال الشَّيخ _ قُدِّس سرُّه _ في (( اللَّامع ) )وفضله بالآيتين ظاهر، حيث أمر نبيَّه صلَّى الله عليه وسلَّم أن يسأل الزِّيادة منه، وجعل العلم سببًا لرفع درجات العلماء، ثمَّ إن تَرْكَه الحديث أما للإشارة إلى استنباط المسائل بالآيات أو لعدم خطوره بباله حينئذ، ولا يبعد أن يقال على ما يخطر بالبال، والله أعلم بحقيقة الحال: أنَّ الرِّواية الموردة في الباب الثَّاني يثبت ما هنالك، وإيراد الباب فيما بين ذلك إثبات لفائدة جديدة، كما ظهر من عادة المؤلِّف في تراجم عديدة، والذي يُثبت المدَّعى هو قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إذا وُسِّدَ الأَمْرُ إلى غَيْرِ أهْلِه فانْتَظِر السَّاعة» ، لأنَّه موقوف على تبين مراتب الأمور، وأهاليها، وتوقفه على العلم ظاهر، وكان حاصل المعنى أنَّ بقاء العالم بحذافيره موقوف على توسيد الأمور إلى أهلها، وهو موقوف على العلم فكان فضل العلم بقاء نظام العالم. انتهى.
وبسط في (( هامشه ) )كلام الشُّراح في وجوه عدم ذكر الحديث من عدم وجدان الحديث على شرطه، أو بيَّض له المؤلِّف ليلحق فيه ما يناسبه فلم يتيسر له، وقيل: ذكر فيه ههنا حديث ابن عمر الآتي بعد (باب رَفْعِ العِلْمِ) ، ويكون وضعه هناك من تصرف الرُّواة.
قال الحافظ: فيه نظر، أو أشار إلى ما ورد في تفسير الآيتين من الأحاديث، ولم تكن على شرطه، أو إلى أنَّ الأثر الوارد في ذلك يقوى به طريق المرفوع، وإن لم يصل في القوَّة إلى شرطه، وتقدَّم الكلام على الأبواب الخالية عن الحديث في الفائدة الرَّابعة من الفصل الثَّالث في أصول التَّراجم.
وقال شيخ الهند _ نوَّر الله مرقده _ في (( تراجمه ) )لم يذكر المؤلِّف _ رحمه الله _ في هذا الباب حديثا مسندا، بل اكتفى بذكر الآيتين، وتكفي لإثبات التَّرجمة كلَّ آية منها على حدة، كما مرَّ في الأصول. انتهى.
قلت: وهو الأصل التَّاسع من أصول شيخ الهند، وهو الأصل السَّابع والعشرون من الأصول المذكورة في المقدِّمة.
ثمَّ قال الشَّيخ: ثمَّ إنَّه توجد في كتاب العلم في مواضع مختلفة الأحاديث المسندة الدَّالة على فضل العلم، وهي كلُّها داخلة في الباب المذكور. انتهى.
قلت: هذا هو الأوجه عندي، لأنَّ فضل العلم يثبت من الأحاديث الكثيرة الواردة في الباب بأنواع شتَّى، فلو ذكر في الباب حديثًا واحدًا أوهم تخصيصه بهذا الحديث، وهذا هو الوجه عندي في أمثال هذه الأبواب، أنَّ الإمام البخاري لا يذكر الحديث قصدًا، تشحيذًا للأذهان. ثمَّ لا يذهب عليك أنَّ الإمام ترجمه بهذه التَّرجمة في موضعين، الأوَّل ههنا، والثَّاني قريبًا بعد (باب رَفعِ العِلْم وظُهُورِ الجَهْل) ، وسيأتي الكلام على تكرار التَّرجمة هناك.
ثمَّ اختلف العلماء في أفضل الأعمال بعد الفرائض، فذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنَّ الاشتغال بالعلم أفضل من النَّوافل، بعكس ما قال الشَّافعي على المشهور عنه، وعن أحمد روايتان، إحداهما في فضل العلم، والثَّاني في فضل الجهاد، وهو المعروف عنه، كما بسط في (( هامش اللَّامع ) )في أوَّل كتَاب الجِهَاد، وما ورد في الرِّوايات من الاختلاف في أفضل الأعمال،
ج 2 ص 145
محمول على اختلاف الأحوال، والأشخاص، والأوقات، كما بسطته في رسالتي في أفضل الأعمال.
ج 2 ص 146