بسط الحافظ الكلام على شرح حديث الباب، وقال في آخره: والحاصل من الأجوبة ستة:.
أحدها: أنَّه على التشبيه والتمثيل، دل عليه قوله في الرواية الأخرى «فَكَأَنَّمَا رَآنِي فِي الْيَقَظَةِ» .
ثانيها: أنَّ معناها سيرى في اليقظة تأويلها بطريق الحقيقة أو التعبير.
ثالثها: أنَّه خاص بأهل عصره ممن آمن به قبل أن يراه.
رابعها: أنَّه يراه في المرآة التي كانت له إن أمكنه ذلك، وهذا من أبعد المحامل.
خامسها: أنَّه يراه يوم القيامة بمزيد خصوصية.
سادسها: أنَّه يراه في الدنيا حقيقة، ويخاطبه، وفيه ما تقدم من الإشكال.
ثم ذكر الحافظ معنيين آخرين زائدين على تلك الستة نقلا عن القرطبي، فارجع إليه لو شئت، ويمكن عندي في معناه أنَّه بشارة لتوفيق زيارة قبره صَلى الله عَليه وسَلَّم، واستنبطت هذا المعنى من حديث ابن عمر مرفوعًا «مَنْ حَجَّ فَزَارَ قَبْرِي بَعْدَ مَوْتِى كَانَ كَمَنْ زَارَنِي فِي حَيَاتِي» والله تعالى أعلم بالصواب.
وقال الحافظ أيضًا في شرح قوله صَلى الله عَليه وسَلَّم «وَلاَ يَتَمَثَّلُ الشَّيْطَانُ بي» وفي رواية «لا يَتَمَثَّلَ في صُورَتِي» وفي رواية «إِنَّهُ لاَ يَنْبَغِي لِلشَّيْطَانِ أَنْ يَتَمَثَّلَ بي» وفي رواية «فَإِنَّ الشَّيْطَان لَا يَتَكَوَّنُنِي» قال الحافظ: والجميع راجع إلى معنى واحد.
وقوله «لا يستطيع» يشير إلى أنَّ الله تعالى، وأن أمكنه من التصور في أي صورة أراد فإنَّه لم يمكنه من التصور في صورة النبي صَلى الله عَليه وسَلَّم، وقد ذهب إلى هذا جماعة فقالوا في الحديث: إنَّ محل ذلك إذا رآه الرائي على صورته التي كان عليها، ومنهم من قال: لا بد أن يراه على صورته التي قبض عليها حتى يعتبر عدد الشعرات البيض التي لم تبلغ عشرين شعرة، والصواب التعميم في جميع حالاته بشرط أن تكون صورتها الحقيقية في وقت ما سواء كان في شبابه أو رجوليته أو كهوليته أو آخر عمره، وقد يكون لما خالف ذلك تعبير يتعلق بالرائي.
وقال الحافظ أيضًا في موضع آخر: قال النووي: قال عياض: يحتمل أن يكون المراد من رآه على صورته في حياته كانت رؤياه حقا، ومن رآه على غير صورته كانت رؤيا تأويل.
قال الحافظ: ظاهر قول عياض أنَّه يراه في الحقيقة حالين، لكن في الأولى تكون الرؤيا مما لا يحتاج إلى تعبير، والثانية مما يحتاج إلى التعبير، قال ابن العربي: الصحيح أنَّه يراه حقيقة سواء كانت على صفته المعروفة أو غيرها. انتهى. ملخصًا من (( الفتح ) ).
وقال شيخنا الكنكوهي قُدِّس سِرُّه كما في (( هامش اللامع ) )عن (( الكوكب الدري ) )ذهب المتقدمون إلى أنَّ ذلك حيث رآه في الحلية التي هي حلية آخر عمره صَلى الله عَليه وسَلَّم، وقال الآخرون: بل كل حلية النبي صَلى الله عَليه وسَلَّم سواء كان حلية آخر عمره أو غير ذلك، وذهب المتأخرون وهو الحق إلى أنَّ الرائي لما رآه صلى الله تعالى عليه وسلم في أي حلية كانت، وعلم بالقرائن أنَّه النبي صَلى الله عَليه وسَلَّم، فهو هو لا غيره سواء رآه على حليته المنقولة عنه أو لا، والاختلاف فيه حينئذ يرجع إلى اختلاف حال الرائي بحسب إيمانه ونياته وأموره الباطنية. انتهى.
قلت: قد اختلف في ذلك مشايخنا الدهلوي على ثلاثة أقوال: الأول: قول الشاه رفيع الدِّين قُدِّس سِرُّه أنَّ من رآه صَلى الله عَليه وسَلَّم على هيئته المعروفة بلا تغير أصلًا، فهو مصداق الحديث حتى أن لو في لحيته صَلى الله عَليه وسَلَّم كانت عشرون شعرة بيضاء، وهو رأى إحدى وعشرين مثلًا، فلم يره صَلى الله عَليه وسَلَّم، ووجه ذلك أنَّ الصحابة الذين حكوا رؤياهم النبي صَلى الله عَليه وسَلَّم، فكانت الصحابة يسألونهم عن صفة رؤياهم، فإذا طابقت صفة النبي صَلى الله عَليه وسَلَّم التي رأوها صدقوا
ج 6 ص 1529
الرؤيا، وإلَّا كذبوا.
والثاني: قول شيخ المشايخ عبد العزيز نور الله مرقده أنَّ رؤيته صَلى الله عَليه وسَلَّم في أي هيئة كانت كانت رؤيته صَلى الله عَليه وسَلَّم في الواقع ونفس الأمر إذا شهد قلب الرائي في الرؤيا أنَّه صَلى الله عَليه وسَلَّم.
والقول الثالث: قول الشاه محمَّد إسحاق المهاجر المكي أنَّه رؤيته صَلى الله عَليه وسَلَّم إذا كانت في هيئة أتقياء زمانه فهو رؤيا حق، وإلَّا فلم يره صَلى الله عَليه وسَلَّم. انتهى. معربًا وملخصًا من كتاب (( أرواح ثلاثة ) ).
ثم إنَّه قد يختلج ههنا إشكال أشار إليه، وإلى الجواب عنه الشيخ الكنكوهي في (( اللامع ) )حيث قال: ولعل الوجه في أنَّ الشيطان لا يتكون بصورته صَلى الله عَليه وسَلَّم ويقدر على تخييل الرائي صورة الرب تبارك وتعالى أنَّه صَلى الله عَليه وسَلَّم رحمه محضة وهداية بحتة، فلا يقدر الشيطان أن يتصور به؛ لكونه إضلالًا محضًا وغواية صرفة بخلاف الرب سبحانه فإنَّ ذاته تعالى قد اندمجت فيها جملة صفات الجلال والجمال، فمنه الهداية والرشاد، ومنه الإبعاد والإضلال، فلكل صفة من الصفات ومنها الإضلال انتسابًا إليه فلم يكن بينهما غاية البعد كما كان ههنا. انتهى.
ثم ههنا اختلاف آخر، وهو إمكان رؤيته صَلى الله عَليه وسَلَّم بعد وفاته في الدنيا في اليقظة، وهو بحث طويل ذكرها ابن حجَر المكي في (( الفتاوى الحديثية ) )وللسيوطي فيه رسالة (( تنوير الحلك في رواية النبي والملك ) )وقد وقع لكثير من المشايخ كما ذكر بعضها الشعراني في (( الميزان ) )وفي (( البذل ) )وقد نص على وقوع ذلك كرامة الأولياء خلق من الأمة كحجة الإسلام الغزالي، وابن العربي، وعز الدِّين. انتهى. كذا في (( هامش اللامع ) ).
ج 6 ص 1530