كتب الشَّيخ في (( اللَّامع ) ): أراد بذلك أنَّ الفقه أعلى مراتب العلماء، فإن فاته ذلك فلا أقل من أن يسعى في تحصيل فهم المطالب، وهو ممدوح أيضًا، كما وقع لابن عمر رضي الله عنهما حيث أدَّى ذهنه إلى النَّخلة، فقال له عمر: «هلا ذكرت ذلك؟» ، فعلم بذلك غاية مدح ومنقبة للفهم، وهو ليس بفقه، لأنَّ الفقه استنباط المسائل، والوقوف على دقائق الشَّريعة وعلل الأحكام، ويمكن أن يكون هذا الباب بيانًا، لأنَّ الفقه والفهم ليسا شيئين متغايرين وإنَّما هما واحد. انتهى.
قلت: وإليه مال شيخ الهند إذ جعل البابين واحدا كما تقدَّم، وفي (( هامش اللَّامع ) )نبَّه الشَّيخ بذلك على جودة الإمام البخاري بأنَّه رضي الله عنه بوب أوَّلًا (باب يُفَقِّهه في الدِّين) ، ثمَّ ثنَّى بذلك الباب، كأنَّه أشار إلى مرتبتين، مرتبة التَّفقُّه وهو أعلى، ثمَّ مرتبة الفكر والمطالعة.
قال الحافظ: مناسبة الحديث بالتَّرجمة أنَّ ابن عمر لمَّا ذكر النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم المسألة عند إحضار الجُمَّار إليه فهم أنَّ المسؤول عنه النَّخلة، فالفهم فطنة يفهم بها صاحبها من الكلام ما يقترن به من قول أو فعل. انتهى.
والغرض عندي التَّرغيب في التَّدبُّر والمطالعة، أو التَّنبيه على طريقها من النظر إلى المقترنات. انتهى ما في (( هامش اللَّامع ) ).
وتقدَّم كلام شيخ الهند على ذلك في الباب السَّابق، والجملة أنَّهم اختلفوا في غرض التَّرجمة على خمسة أقول:
الأوَّل: أنَّ الغرض إثبات فضل الفهم في العلم، أي: العلوم، وهو الذي جزم به الحافظ، واختاره شيخ الهند، وهو ظاهر من حديث الباب من جهة أنَّ ابن عمر استخرج من فهمه ما أراده النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم، والأولى أنَّه شيء ذو فضيلة لما كان في استخبار النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فائدة، فاستخباره صلَّى الله عليه دليل على كونه ذا فضل، والله أعلم.
والثَّاني: غرضه بيان أنَّ الفهم يكون مختلفًا، حتَّى إنَّ ابن عمر مع صغر سنِّه فهم ما خفي على الكبار، قاله السِّندي،
ج 2 ص 152
وقال: وليس المراد بيان فضل الفهم؛ إذ لا دلالة للحديث عليه. قلت: قد بيَّنا وجه الدَّلالة فللَّه الحمد، وقد تقدَّم في الباب السَّابق جواب شيخ الهند.
والثَّالث: غرضه بيان أنَّه إن فاته الفقه الذي هو أعلى، فلا يقصر في الطَّلب حتَّى يفوته الأدنى وهو فهم المراد والمطلب، وجنح إليه العارف الكنكوهي رحمه الله تعالى.
والرَّابع: التَّرغيب في التَّدبر والمطالعة.
والخامس: التَّنبيه على طريق المطالعة بالنَّظر إلى المقترنات، والقياس على النظائر وهو من مخترعاتي، والله أعلم.
ج 2 ص 153