قال الحافظ: أشار في الترجمة إلى وجوب الإخراج في الواجبات بصاع أهل المدينة؛ لأنَّ التشريع وقع على ذلك أولًا، وأُكِّد ذلك بدعاء النبي صَلى الله عَليه وسَلَّم لهم بالبركة في ذلك.
قوله (ومَا تَوارَثَ أَهْلُ المدِيْنَة ... إلخ) أشار بذلك إلى أنَّ مقدارَ المدِّ والصَّاع في المدينة لمْ يَتَغَيَّر لتَواتُرِه عندهم إلى زمنه. انتهى.
وكتب الشيخ قُدِّس سِرُّه في (( اللامع ) )وحاصل الترجمة أنَّ العبرة لمكيال المدينة؛ لأنَّه كان هو الشائع حين أمر النبي صَلى الله عَليه وسَلَّم بأداء ما يُؤَدَّى من المكيلات، فيكون هو المراد لا غير.
ثم ذكر الشيخ في (( اللامع ) )توضيح قول السائب «كان الصاع على عهد النبي صَلى الله عَليه وسَلَّم مدًا ... إلخ» وفي (( هامش اللامع ) )عن (( المشكاة ) )برواية أبي داود عن ابن عمر مرفوعًا «الْمِكْيَالُ مِكْيَالُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَالْمِيزَانُ مِيزَانُ أَهْلِ مَكَّةَ» . انتهى.
قلت: وترجم على هذا الحديث الإمام أبو داود (باب قَول النَّبِيِّ صَلى الله عَليه وسَلَّم «الْمِكْيَالُ مِكْيَالُ الْمَدِينَةِ» ) وبسط الشيخ قُدِّس سِرُّه في (( البذل ) )معنى الحديث، وقال القاري في (( شرحه ) )لأنَّ أهل المدينة أصحاب زراعات، فهم أعلم بأحوال المكاييل، وأهل مكة أهل تجارات فعهدهم بالموازين وعلمهم بالأوزان أكثر. انتهى.
قلت: واختلفوا في مقدار المُدّ: رطل وثلث عند مالك والشافعي وأحمد، وهو قول أبي يوسف المرجوع إليه على المشهور، وقيل: لا يصح الرجوع، ورطلان عند أبي حنيفة ومحمد، والبسط في (( الأوجز ) )وفيه أيضًا مذهب
ج 6 ص 1456
الشافعي وأحمد اختيار المد الأصغر رطل وثلث، ومذهب الحنفية اختيار المدر الأكبر رطلان، وفرَّق مالك فقال في الظِّهار بالمد الأكبر، وفي غيره بالمد الأصغر كما في (( الأوجز ) )ففي (( الموطأ ) )قال مالك: والكفارات كلها وزكاة الفطر وزكاة العشور كل ذلك بالمد الأصغر مد النبي صَلى الله عَليه وسَلَّم، إلَّا الظهار فإنَّ الكفارة فيه بالمد الأعظم مُدِّ هشام. انتهى. وذكر في (( الأوجز ) )في (باب زَكَاة الفِطْر) الاختلاف في مقدَار مُدِّ هشام.
ج 6 ص 1457