إنَّ الأصل في التَّراجم أن تكون دَعَاوى، والأحاديث الواردة في الباب تكون دلائلها مُثْبِتَة للتَّرجمة، لكنَّ الإمام البخاري كثيرًا ما يُترجم بما يكون بمنزلة شرح للحديث، كما تقدم بسط ذلك في الفائدة الثَّانية من كلام السَّندي إذ قال: إن تراجم الصَّحيح على قسمين:
1 -قسم يذكره للاستدلال بحديث الباب.
2 -وقسم يذكره ليُجْعَل كالشَّرح لحديث الباب.
والشُّرَّاح جعلوا الأحاديث كلها دلائل للتَّرجمة، فأشكل عليهم الأمر ... إلى آخر ما تقدم في كلام السَّندي.
وذكره السَّندي أيضًا في باب أحبُّ الأسماء إلى الله عز وجل.
ومثَّل له شيخ الهند _رحمه الله_ بـ باب الصُّفْرة والكُدْرة في غَير أيَّامِ الحَيْضِ فقال: «إن زيادة لفظ غير أيام الحيض بمنزلة الشَّرح للحديث» جمعًا بينه وبين حديث عائشة رضي الله عنها «لا، حتى تَرَيْن القَصَّة البيضاء» . انتهى.
قلت: كون بعض التَّراجم شارحة: معروفة مطردة عند الشُّرَّاح؛ كثيرة الوقوع في الصَّحيح، ومع ذلك المثال الَّذي أفاده شيخ الهند _قدس سره_ من باب الصُّفْرة لو جعل داخلا في الأصل الخامس لكان أوضح، وشيخ الهند _قدس سره_ لما أدخل المذكور في هذا الأصل تبعًا للسِّندي فصحَّ تمثيله _قدس سره_ بذلك على أصله.
ويمثل لذلك الأصل بـ باب مَسْح اليَد بالتُّراب لتَكُون أنقَى فقوله: لتكون أنقى بَيَّن عِلَّة مسح اليد بالتُّراب، مع الإشارة إلى الاختلاف في ذلك.
وكقوله: باب الطِّيب للمَرأة عند غَسْلِها من المحيض أشار بذلك إلى عدم التَّخصيص بالمسك.
وكقوله: باب الإقامَة واحدة ... إلى آخره شرح بذلك قوله في الحديث: «يُوتِر الإقامة» .
وكقوله: باب الذِّكر بعد الصَّلاة شرح بذلك لفظ «الدُّبر» الوارد في أحاديث الأدعية، ردًا على من قال بأنَّ هذا الأدعية في التَّشهد قبل السَّلام للفظ «الدُّبر» .
وترجم بـ باب كَلام الميِّت على الجَنازة شرح بذلك لفظ الجَنازة الواردة في الحديث.
وكقوله: باب بَرَكَة السَّحُور من غَيْر إِيجَاب فإنَّ هذا القيد نبَّه على أنَّ الأوامر الواردة فيه
ج 1 ص 31
للاستحباب.
وكقوله: باب رَفْع مَعْرفة ليلة القَدْر فإنَّ لفظ المعرفة نبَّه على معنى قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: رُفِعَت، ردًا على من قال: إنَّ ليلة القدر رُفِعَت.
ذكر شيخ الهند _رحمه الله_ أصلًا رابعًا، أنَّ التَّرجمة قد يكون لها معنى ظاهرًا وآخر خفي، فالشُّرَّاح لما حملوها على الأوَّل اضطربوا في التَّطبيق، والحقُّ أنَّ مراد المصنِّف كان معنى خفيًا، ومثَّل له بـ باب ما يقول بعد التَّكبير فإنَّهم لما حملوا التَّرجمة على الدُّعاء بعد تكبير الافتتاح تكلفوا في ذلك، والحقُّ أنَّ مراد المؤلِّف _رحمه الله_ كان التَّوسع في الدُّعاء وبسط في ذلك، وبسطه أيضًا في كلامه العربي في آخر التَّراجم كما تقدم مفصلًا في الفائدة الثَّانية.
ولما لم يظهر لي فرق واضح بينه وبين ما تقدم في عـ 1/ 21 الأصل الأوَّل من أصوله، لم أجعل له عددًا مستقلًا، وهذا الأصل والَّذي بعده مأخوذان من كلام العلَّامة السَّندي كما تقدم في كلامه من قوله: وكثيرًا ما يكون ظاهر التَّرجمة معنى فيحملون التَّرجمة عليه، والحديث لا يوافقه، فيعدون ذلك إيرادًا على صاحب الصَّحيح، مع أنَّه قصد معنى يوافقه الحديث وقد يكون معنى التَّرجمة ما فهموا، ولكنَّ تطبيق الحديث به يحتاج إلى فضل تدقيق. انتهى.
وكذا ذكر شيخ الهند _قدس سره_ أصلًا خامسًا: وهو أن يكون معنى التَّرجمة ظاهرًا، لكنَّ الاستدلال بالحديث يكون بإشارة خفية، ومثَّل له بـ باب ما يُذْكَر في الفَخِذ والاستدلال فيه بحديث زيد بن ثابت رضي الله عنه.
ولما دخل هذا الأصل في الأصل الثَّاني من أصول شيخ المشايخ لم أجعل له عددًا مستأنفًا.
وذكر الشَّيخ _قدس سره_ أصلًا سادسًا: أنَّه قد يذكر في الباب حديثًا لا يوافق التَّرجمة، لكن يأتي في باب آخر ما يُثْبِت به التَّرجمة، ومثل له بـ باب السَّمَر في العِلم.
ولما تقدم هذا الأصل في الأصل الحادي عشر من أصول شيخ المشايخ لم أجعل له _أيضًا_ عددًا مستقلًا. 7/ 24
ج 1 ص 32