كتب الشَّيخ في (( اللَّامع ) )لعلَّ المراد بذلك أنَّ المرور في المسجد جائز إذا لم يكن منجزًا إلى مفسدة، كالإضرار بالمسلمين وتلويث المسجد إذا اعتاد الناس ذلك، ويمكن أن يكون ذلك إثباتًا لما ذهب إليه الشَّافعيُّ من جواز دخول الجنب في المسجد على جهة المرور، ووجه الاستدلال إطلاق اللفظ وهو يعم الجنب وغيره، والجواب أنَّه لم يقيِّد ههنا لكونه معلومًا، إذ من المعلوم أنَّ المتعفن بأكل الثُّوم أو الذي يسيل دمه لا يجوز لهما دخوله، لما فيه من تلويث المسجد، مع أنَّ اللَّفظ بإطلاقه شامل لهما، فالحق أنَّ الحكم على الشَّيء بالجواز وعدمه كثيرًا ما يُبْتَنَى على النَّظر إليه في نفسه، ولا يُنْظَر إلى ما يعتريه من عارض، مثبت خلاف هذا الحكم، كما في كثير من المباحات المحرمة لأجل عارض. انتهى.
وفي (( هامشه ) )اختلف في غرض المصنِّف بالتَّرجمة، وما أفاد الشَّيخ _ قُدِّس سرُّه _ لا سيما أوَّل الاحتمالين من كلامه أوجه عندي ممَّا قالته الشُّرَّاح في غرض التَّرجمة، قال العيني: أي هذا باب في بيان جواز المرور بالنُّبل في المسجد إذا أمسك نصاله، وفي هذه التَّرجمة نوع قصور على ما لا يخفى. انتهى.
وتبعه القسطلَّاني ولم يذكر الإيراد بنوع قصور، والمراد بالقصور أنَّه لم يذكر في التَّرجمة إمساك النَّصل، والإيراد عندي ساقط نشأ بالغرض الذي اختار العلَّامة العيني.
وعلى هذا يلزم تكرار التَّرجمة بما سبق، فالوجه عندي في غرض التَّرجمة ما تقدَّم في كلام الشَّيخ من أوَّل الاحتمالين، فإنَّ الحديث السَّابق لمَّا كان يثبت منه جواز المرور أثبته الإمام البخاري مستقلًا، لكون المسألة خلافيَّة، فإنَّه يكره عندنا الحنفيَّة أن يتَّخذ المسجد طريقًا.
قال صاحب (( الدُّرُّ المختار ) ): ذكره تحريمًا اتِّخاذه طريقًا بغير عذر، وصرَّح في (( القنية ) )بفسقه باعتياده، قال ابن عابدين [1] : وفي التَّعبير بالاتِّخاذ إيماء إلى أنَّه لا يفسق بمرَّة أو مرَّتين. انتهى من (( هامش اللَّامع ) ).
ثمَّ لا يشكل عليك
ج 2 ص 290
التِّكرار بما سيأتي من باب الخوخة والممر في المسجد، فإنَّ للتَّوجيه مساغًا كما سيأتي هناك إن شاء الله تعالى.
ج 2 ص 291
[1] حاشية ابن عابدين:1/ 656