ما تقدم في كلام الحافظ في المقدمة ورقمت عليه التَّاسع، أنَّ الإمام البخاري كثيرًا ما يترجم بأمر مختص ببعض الوقائع لا يظهر في بادئ الرَّأي، كقوله باب استياك الإمام بحضرة رعيته فإنَّه لما كان الاستياك قد يُظن أنَّه من أفعال المهنة، فلعل بعض النَّاس يتوهم أنَّ إخفاءه أولى مراعاة للمروءة، فلما وقع في الحديث أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم استاك بحضرة النَّاس دلَّ على أنَّه من باب التَّطَيُّب لا من الباب الآخر، نبَّه على ذلك ابن دقيق العيد. انتهى. هكذا في مقدِّمة الفتح.
وحكاه القسطلَّاني في مقدمته وزاد فيه: قال الحافظ ابن حجر لم أر هذا في البخاري، فكأنَّه ذكره على التَّمثيل. انتهى.
قلت: هو كذلك، لم أره أيضًا في البخاري، نعم، ترجم النِّسائي في سننه باب هل يستاك الإمام بحضرة رعيته. انتهى. ولو أدخل هذا الأصل في الأصل الثَّاني عشر كان كافيًا، إلَّا أنَّ الحافظ في المقدمة ذكرهما أصلين مستقلين كما تقدم في كلامه.
ويمثِّل لذلك الأصل عندي بـ باب دفع السِّواك إلى الأكبر فإنَّه إشارة إلى واقعة خاصة في اليقظة أو في المنام.
وترجم البخاري باب علامة المنافق وأورد فيه حديث «آية المنافق ثلاث» . حكى الخطابي عن بعضهم: أنَّ الحديث ورد في رجل بعينه منافق، وكان النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم لا يواجههم بصريح القول فيقول فلان منافق، إنَّما يشير إشارة [1] . انتهى. كذا في «البيان والتَّعريف في أسباب ورود الحديث» .
ويمكن أن يدخل فيه باب البخاري علامة المنافق وذكر فيه حديث أبي هريرة رضي الله عنه «آية المنافق ثلاث» وفي «البيان والتَّعريف» أخرجه أحمد والشَّيخان وغيرهم عن أبي هريرة، وحكى الخطَّابي عن بعضهم أنَّ الحديث ورد في رجل بعينه منافق، وكان النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم لا يواجههم بصريح القول فيقول فلان منافق، إنَّما يشير إشارة كقوله:
ج 1 ص 51
ما بال أقوام يفعلون كذا. انتهى.
وترجم الإمام البخاري باب الأرواح جنود مجنَّدة وذكر فيه حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعًا بذلك اللَّفظ، ويمكن التَّلويح بذلك إلى ما في «البيان والتَّعريف» إذ قال: أخرجه الحاكم عن سلمان والشَّيخان بلفظ «الأرواح جنود مجنَّدة» الحديث. وسببه عنه: أنَّ امرأة كانت تُضْحِك النِّساء بمكة، قدمت المدينة فزلت على امرأة تُضْحِك النِّساء بالمدينة، فأخبر النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بذلك فقال: «الأرواح» فذكره. انتهى. ويشكل عليه أنَّ الحافظ في «الفتح» ذكر قصة المرأة هذه بلفظ آخر، برواية مسند أبي يعلى عن عَمْرَة قالت: «كانت امرأة بمكة مزّاحة فنزلت على امرأة مثلها بالمدينة، فبلغ ذلك عائشة رضي الله عنها، قالت: صدق حبِّي، سمعته صلَّى الله عليه وسلَّم ... » فذكر مثله. انتهى. وفيه أنَّ الأوَّل من حديث سلمان، والثَّاني من حديث عائشة رضي الله عنهما.
ولا يبعد عندي أيضا أن يمثل هذا الأصل بـ باب المؤمن يأكل في مِعىً واحدة فإنَّ هذه التَّرجمة بوَّب لها البخاري بابين، ويشكل على الشُّرَّاح تكرار التَّرجمة، واختلفت التَّوجيهات في التِّكرار حتى مال كثير منهم إلى غلط النُّساخ، ولا يبعد عندي أنَّ الإمام أشار بإحدى التَّرجمتين إلى أمر مختص ببعض الوقائع. قال الحافظ: وقع في مسلم عن أبي هريرة «أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ضافه ضيف وهو كافر فشرب حِلاب سبع شياه، ثم إنَّه أصبح فأسلم، فأمر له بشاة فشرب حِلابها ثم أخرى فلم يسْتَتِمَّها» الحديث. وهذا الرَّجل يشبه أن يكون جَهْجَاه الغفاري، فأخرج ابن أبي شيبة وأبو يعلي وغيرهما عنه: «أنَّه قدم في نفر من قومه يريدون الإسلام فحضروا مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فلمَّا سلم قال ليأخذ كل رجل بيد جليسه فلم يبق غيري، وكنت رجلًا عظيمًا طويلًا لا يُقْدِمُ عليَّ أحد، فذهب بي رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى منزله فحَلَب لي عَنْزًا فأَتَيْتُ عليه، ثم آخر، حتى حلب لي سبعة أعنُز فأَتَيْت عليها، ثم أتيت بصنيع بُرْمَة فأتيت عليها، فقالت أم أيمن: أجاع الله من أجاع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم. فقال مه يا أم أيمن! أكل رزقه، ورزقنا على الله، فلمَّا كانت الليلة الثَّانية وصلينا المغرب صنع ما صنع في الَّتي قبلها، فحُلِب لي عنزا ورويت وشبعت، فقالت أم أيمن: أليس هذا ضيفنا؟ قال: إنَّه أكل في معىً واحد اللَّيلة وهو مؤمن، وأكل قبل ذلك في سبعة أمعاء، الكافر يأكل في سبعة أمعاء والمؤمن يأكل في معىً واحد» . ثم ذكر قصة أخرى بنحوها، فلا يبعد عندي أنَّ الإمام البخاري أشار بإحدى التَّرجمتين إلى وقعة مخصوصة في ذلك.
ج 1 ص 52
[1] أعلام الحديث:1/ 166 مختصرا.