فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 4610

أنَّه رضي الله عنه طالما يدخل الباب الأجنبي بين الأبواب المتناسقة للتَّنبيه على لطيفة يرشد النَّاظر إلى التَّدبير في ذلك، مثاله: أنَّه رضي الله عنه أدخل باب الجهاد من الإيمان بين باب قيام ليلة القدر من الإيمان و باب تطوع قيام رمضان من الإيمان قال الحافظ: أورد هذا الباب بين قيام ليلة القدر وبين قيام رمضان وصيامه، فأمَّا مناسبة إيراده معها في الجملة فواضح لاشتراكها في كونها من خصال الإيمان، وأمَّا إيراده بين هذين البابين مع أنَّ تعلق أحدهما بالآخر ظاهر فلنكتة لم أر من تعرض لها، بل قال الكرماني: «صنيعه هذا دالٌّ على أنَّ النَّظر مقطوع عن غير هذه المناسبة يعني اشتراكها في كونها من خصال الإيمان» ، قال الحافظ: بل قيام ليلة القدر وإن كان ظاهر المناسبة لقيام رمضان لكنَّ للحديث الَّذي أورده في باب الجهاد مناسبة بالتماس ليلة القدر حسنة جدًا لأن التماس ليلة القدر تستدعي محافظة زائدة ومجاهدة تامة، ومع ذلك فقد يوافقها أو لا، وكذلك المجاهد يلتمس الشَّهادة ويقصد إعلاء كلمة الله، وقد يحصل له ذلك أو لا، فتناسبًا في أنَّ في كل منهما مجاهدة، وفي أنَّ كلا منهما قد يحصل المقصود الأصلي لصاحبه أو لا، فالقائم لالتماس ليلة القدر مأجور فإن وافقها كان أعظم أجرا، والمجاهد لالتماس الشَّهادة مأجور، فإن وافقها كان أعظم أجرا. انتهى.

ويدخل في ذلك الأصل عندي باب احتساب الآثار بين باب فضل التَّهجير إلى الظُّهر و باب فضل صلاة العشاء في الجماعة والأوجه عندي أنَّه رضي الله عنه ذكر باب الاحتساب

ج 1 ص 58

بعد باب فضل التَّهجير تنبيها على أن لا ينبغي له تطويل الأقدام والسَّعي لشدة الحر، فإنَّه ينافي الوقار والسُّكون في المشي إلى الصَّلاة، بل ينبغي له أن يمشي بتقارب الأقدام على هيئة السُّكون والوقار المطلوبين المأمور بهما في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصَّلاة وعليكم السَّكينة والوقار ولا تسرعوا» ، الحديث، أخرجه البخاري في باب ما أدركتم فصلوا. وغير ذلك من الرِّوايات العديدة المختلفة في كون الوقار والسُّكون مأمورين في المشي إلى الصَّلاة، وقد ترجم أبو داود باب الهدي في المشي إلى الصَّلاة وأخرج فيه عن كعب بن عُجْرَة مرفوعا النَّهي عن التَّشبيك لمن خرج عامدًا إلى الصَّلاة، وعن رجل من الأنصار قال: «سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: إذا توضأ أحدكم فأحسن الوضوء ثم خرج إلى الصَّلاة لم يرفع قدمه اليمنى إلَّا كتب الله عز وجل له حسنة ولم يضع قدمه اليسرى إلَّا حطَّ الله عز وجل عنه سيِّئة، فليقرب أحدكم أو ليبعد» الحديث، فترجم الإمام البخاري بـ باب الاحتساب تنبيهًا على تقارب الخطى الموجب لكثرة الأجر.

ويدخل في هذا الأصل عندي إدخال باب قوله تعالى: {وَتَزَوَّدُوا} الآية [البقرة:197] بين أبواب مواقيت الحج تنبيها على أنَّ التَّقوى مطلوب في سفر الحج كله، لكنَّه فيما بين المواقيت أشدُّ اهتمامًا.

وهكذا عندي توسيط باب صوم الدَّهر بين أبواب الحقوق داخل في هذا الأصل.

وهكذا إدخال رثاء النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم بين أبواب النَّهي عن شقِّ الجيوب والحلق وغيرهما.

ويقرب من ذلك الأصل عندي فصل الأبواب العديدة بين بابي الاستماع إلى الخطبة يوم الجمعة و الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب فإنَّ الجدير بإتِّباع الآية وهي قوله تعالى: {فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} [الأعراف:204] كان أن يُذكر البابان متصلان لكنَّ الإمام البخاري رضي الله عنه لعله أشار بالتَّفريق بينهما إلى أنَّهما حكمان مستقلان، الأوَّل للقريب والثَّاني للبعيد عن الإمام ولذا أبعد الباب الثَّاني عن الأوَّل. ويستأنس ذلك من كلام شيخ المشايخ في «تراجمه» إذ قال باب الإنصات ... إلى آخره عقد المؤلف الباب السَّابق لاستماع الخطبة، وهذا الباب للإنصات وقت الخطبة، إذ لا تلازم بينهما، لأنَّ من يكون بعيدا عن الإمام لا يجب الاستماع عليه وإنما يجب الانصات. انتهى.

وتراجم أبواب الوضوء جُلُّها داخلة عندي في هذا الأصل وما أورد الشُّرَّاح جُلُّهم على الإمام البخاري من عدم المناسبة بين أبواب الوضوء ليس بصحيح عندي، بل كُلُّها متناسبة فيما بينها، إلَّا أنَّه رضي الله عنه على دأبه في النَّظر إلى الدَّقائق ينبه بذلك إلى نكات لطيفة جديرة بشأن تفنن البخاري. مثلا: أوردوا على باب غسل الوجه باليَّدين بأنَّه في غير محله؛ وليس كذلك، بل الغرض منه التَّنبيه على تكميل الباب السَّابق بأنَّ الإسباغ قد يتم بمعاونة اليَّدين ولا يحتاج إلى كثرة الماء فلذا قيَّده بغرفة واحدة، وهكذا أوردوا على باب التَّسمية بأنَّ حقَّه كان التَّقديم على الباب السَّابق، وليس كذلك عندي بل هو في محله وإنَّما أراد البخاري منه التَّسمية عند الدُّخول في الخلاء ولذا قدَّمه على باب ما يقول عند الخلاء والوضوء عندي لم يشرع بعد.

وهكذا أوردوا على باب غسل الأعقاب فإنَّه في غير محله جدا؛ وليس كذلك عندي، بل ذكره بعد المضمضة إشارة إلى ندب الغرغرة في المضمضة، وليس باب منها إلَّا وله مناسبة لطيفة بالمحلِّ الَّذي ذكره فيه البخاري، إلَّا أنَّه إذا ذكر مسألة في محل لمناسبة لا يعيدها مرة أخرى في محله تحرزًا عن التّكرار، فلله [دَرُّه] ما أدق نظره.

وسيأتي شيء من ذلك

ج 1 ص 59

في أول أبواب الوضوء في «هامش اللَّامع» ولا يلتبس عليك هذا الأصل بالسَّابع والسِّتين.

ج 1 ص 60

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت