كتب الشَّيخ في (( اللَّامع ) )عَمَّ الحكم مع أنَّ الرِّواية الآتية مُصَرِّحة بترك الفعل دون القول، إشارة منه إلى أنَّه لا فرق بينهما في ذلك، فله أن يترك بعض المستحبَّات والسُّنن إذا خاف فتنة فكيف بالمباحات؟ وفيه دلالة على ترك التَّقليد الغير الشَّخصي في وقتنا هذا مع جوازه في الأصل. انتهى.
وفي (( هامشه ) )قوله: عمَّ الحكم، يعني: عمم الإمام البخاري التَّرجمة عن القول والفعل، ولذا فسرها جميع الشُّرَّاح بالعموم إذ قالوا أراد بالاختيار المختار، والمعنى: من ترك فعل الشَّيء أو الإعلام به. انتهى.
إلَّا أنَّهم رجَّحوا كون هذه التَّرجمة في الأفعال حين الفرق بالتَّرجمة الآتية، فقالوا فيها: إنَّ التَّرجمتين متقاربان غير أنَّ الأدنى في الأفعال، وهذه في الأقوال، كذا في العيني.
قال الحافظ وتبعه القسطلَّاني: هذه قريبة من التَّرجمة التي قبلها لكن هذه في الأقوال وتلك في الأفعال أو فيهما. انتهى.
وفرَّق بينهما صاحب (( فيض الباري ) )بوجه آخر فقال: فكان الباب الأوَّل في الفرق بين الفطن الذَّكي والبليد الغبي، وهذا الباب في الفرق بين الشَّريف والوضيع. انتهى.
قلت: ويشكل عليه أنَّ الشُّرَّاح صرَّحوا بأنَّ دون ليس بمعنى الأدون بل بمعنى سوى، كما في (( الفتح ) )وغيره.
والأوجه عندي أنَّ الفرق بين التَّرجمتين واضح وهو أنَّ الغرض من الأولى ترك بعض الأقوال أو الأفعال المختارة لقصور فهم بعض الرِّجال عنه، غير الغرض من الثَّانية، وهو جواز تخصيص بعض الطَّلبة الأذكياء في الدَّرس، وأنَّه غير داخل في كتمان العِلم، ولا في كون العلم سرًا، ولا في منع العِلم.
وكتب شيخ الهند في التَّرجمة الأولى: يعني لو خيف ابتلاء قاصر الفهم
ج 2 ص 176
بإظهار الأمر المختار في مضرة هي أضر من ترك الأمر المختار، فينبغي للعلماء أن يتركوا ذلك الأمر المختار، وكتب في التَّرجمة الثَّانية: أنَّ غرض التَّرجمة ظاهر، وهو أنَّ مراعاة المخاطبين في التَّعليم والتَّبليغ لازم للعلماء، فلا ينبغي أن يذكر عندهم ما لا يفهمه المخاطب، وقول المرتضى _ كرم الله _ وجهه دليل صريح على ذلك. انتهى.
والأوجه عندي أنَّ قول المرتضى رضي الله عنه أيضًا يؤيِّد ما قُلتُه من أنَّه لا ينبغي عند الأغبياء كلام لا يدركه أفهامهم، فلا بأس على هذا أن يمنعهم عن الحضور في الدَّرس.
ج 2 ص 177