فهرس الكتاب

الصفحة 119 من 4610

أراد بالتَّرجمة التَّنبيه على أنَّ المراد في الرِّواية ليس حقيقة الكفر، بل المراد كفر دون كفر، قال الشَّيخ _ قُدِّس سرُّه _ في (( اللَّامع ) )هذا تصريح بما ذهبنا إليه من أنَّ الأعمال ليست بداخلة في أصل الإيمان؛ إذ لو كان كذلك لما كان كفرًا دون كفر، بل كان مرتكب السَّيئات كافرًا، وغرضه من عقد الباب الرَّدَّ على المعتزلة القائلين بإثبات المنزلة بين الإيمان والكفر، وأنَّ مرتكب الكبيرة خارج من الإيمان، وحاصل الرَّدِّ أنَّ إطلاق المؤمن على مرتكب الكبيرة شائع في الآيات والرِّوايات، فما ورد في مثل تلك المعاصي من لفظ الكفر، فالمراد به غير ما هو نقيض الإيمان، فإنَّ الكفر أنواع بعضها أكمل من بعض، أقصى أنواعه الكفر المقابل للإيمان، والرِّواية مصرَّحة بالتَّرجمة. انتهى.

وفي (( هامشه ) )قال بعض العلماء: الكفر أربعة أنواع:1 - كفر إنكار، 2 - وجحود، 3 - ومعاندة، 4 - ونفاق، وهذه الأربعة من لقي الله بواحد منها لم يُغفر له، 1 - فكفر الإنكار: أن يكفر بقلبه ولسإنَّه وأن لا يعرف ما يذكر له، 2 - وكفر الجحود: أن يعرف بقلبه ولا يقرُّ بلسانه ككفر إبليس، 3 - وكفر المعاندة: أن يعرف بقلبه ويقرُّ بلسانه يأبى أن يقبل الإيمان، ككفر أبي طالب، 4 - وكفر النِّفاق ظاهر. قال النَّووي: إنَّ الشَّرع أطلق الكفر على ما سوى الأربعة ككفران الحقوق والنِّعم، فمن ذلك حديث الباب، وحديث: «لَاْ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ» [1] وأشباهه، وهذا مراد البخاري بقوله: وكفر دون كفر، إلى آخر ما بسط فيه.

وكتب شيخ الهند _ قُدِّس سرُّه _ في (( تراجمه ) )ما تعريبه: الظَّاهر أن لا مناسبة لترجمة الباب بكتاب الإيمان، فأشار المؤلِّف _ رحمه الله _ بقوله: (وكفر دون كفر) إلى المناسبة بينهما وإلى الغرض من التَّرجمة، والظَّاهر أنَّ غرض المؤلِّف _ رحمه الله تعالى _ أمران: الأوَّل: إثبات التَّشكيك في الكفر، لأنَّ بإثباته يثبت التَّشكيك في ضدِّه وهو الإيمان، لأنَّ التَّشكيك في شيء تشكيك في ضدِّه،

ج 2 ص 122

والثَّاني: أنَّ المعاصي داخلة في الكفر، كما أنَّ الأعمال الصَّالحة داخلة في الإيمان، وسيذكر المؤلِّف ذلك في التَّرجمة الآتية واضحًا.

ثمَّ عُلم من التَّشكيك في الكفر ودخول المعاصي في الكفر أنَّ النُّصوص الَّتي ورد فيها إطلاق الكفر على ترك بعض الأعمال كما في ترك الصَّلاة والحجِّ هي إطلاقات حقيقية، والتَّأويل فيها وجعلها مجازية إنِّما هو تكلُّف لا حاجة إليه، لأنَّ إطلاق الكُلِّي المشَكِّك يكون على جميع أفراده القوي والضَّعيف حقيقيًا لا مجازيًا، ثمَّ إنَّه لمَّا كان في الكفر تشكيك، فإنَّ هذا التَّشكيك مُسلَّم في سلب الإيمان أيضًا، وبذلك نتخلص من التَّأويلات المتنوعة في الرِّوايات الكثيرة، فالحمد لله.

ج 2 ص 123

[1] أخرجه البخاري في العلم، باب الإنصات للعلماء، رقم: (121) ومسلم في الإيمان، باب لا ترجعوا بعدي ... رقم: (65) ، وغيرهما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت