قال الحافظ في آخر الباب السَّابق: واستدلَّ الشَّافعيُّ بهذا الحديث على ردِّ قول من قال من أصحاب الرَّأي، أنَّ الوضوء مقدر بقدر من الماء معين، ووجه الدَّلالة أنَّ الصَّحابة اغترفوا من القدح من غير تقدير، لأنَّ الماء النَّابع لم يكن قدره معلوما لهم، فدلَّ على عدم التَّقدير، وبهذا يظهر مناسبة تعقيب المصنِّف هذا الحديث بباب الوضوء بالمد. انتهى.
ولم اتحصَّل بعد ما أفاده الحافظ، لأنَّ ما حكى من مسلك أصحاب الرَّأي أنَّ الوضوء مقدَّر بقدر معيَّن من الماء ليس بصحيح، ففي (( الأوجز ) )قال القاري: ثمَّ الإجماع على أنَّه لا يشترط قدر معين في ماء الوضوء والغسل، ولكن يسنُّ أن لا ينقص ماء الوضوء عن مد وماء الغسل عن صاع تقريبًا. انتهى. وعدَّه صاحب (( الدُّرِّ المختار ) )من سنن الغسل.
نقل ابن عابدين
ج 2 ص 205
عن الحلية: نقل غير واحد إجماع المسلمين على أنَّ ما يجزئ في الوضوء والغسل غير مقدر بمقدار، وما في ظاهر الرِّواية من أنَّ أدنى ما يكفي في الغسل صاع وفي الوضوء مد للحديث المتَّفق عليه ليس بلازم، بل هو بيان أدنى القدر المسنون، قال في البحر: حتَّى أسبغ بدون ذلك أجزأه. انتهى.
قلت: وكذلك في غيرها من كتب الحنفيَّة فنسبة الخلاف فيه إلى الحنفيَّة لا يصح، وفي (( الأوجز ) )أيضًا أنَّ الباجيُّ حكى الاختلاف عن الشَّيخ أبي إسحاق دون أبي حنيفة وهو الصَّواب، فإنَّ مقدار الماء عندنا من السُّنن كما تقدَّم.
ثمَّ لا يذهب عليك أنَّ مؤدَّى الأحاديث الواردة في هذا المعنى كلَّها عند الجمهور بيان مقدار الماء، لكن في (( الأوجز ) )قال الباجيُّ: قوله: «كان يغتسل من إناء» يحتمل معنيين: أحدهما: أنَّه يغتسل من هذا الإناء وإن استعمل اليسير من ماء أو كله أو أكثر منه، فيتناول ذلك إباحة الوضوء بذلك الإناء، والثَّاني: أنَّه يستعمل في غسله ملء ذلك الإناء فتقصَّد به الإخبار عن مقدار الماء.
قلت: فيكون الحديث على الاحتمال الأوَّل من بيان ظروف الوضوء والغسل لا من باب مقدار الماء لهما، لكن لفظ أبي عبيد في كتاب الأموال برواية صفيَّة عن عائشة بلفظ: يتوضَّأ بقدر الماء ويغتسل بقدر الصَّاع [1] يؤيِّد المعنى الثَّاني، وكذلك لفظ مجاهد: إن كنت لأغتسل أنا ورسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من الجنابة بصاع من ماء جميعًا. انتهى ما في (( الأوجز ) ). وفيه أيضًا عن ابن العربي: أنَّه إذا قلنا يتوضَّأ بالمدِّ ويغتسل بالصَّاع فمعناه بالصَّاع كيلا لا وزنا، لأن كيل المدِّ والصَّاع بالماء أضعافه بالوزن، فتفطَّن لهذه الدَّقيقة. انتهى.
واختلاف العلماء في مقدار المدِّ أنَّه رطلان أو رطل وثلث معروف، بعد إجماعهم أنَّ الصَّاع أربعة أمداد، فالمُدُّ عند الإمام الأعظم رطلان، وعند صاحبيه وبه قال الأئمَّة الثَّلاثة رطل وثلث، وبسط الكلام على الدَّلائل في (( البذل ) )و (( الأوجز ) ).
ج 2 ص 206
[1] كتاب الأموال لأبي عبيد، كتاب الصدقة، باب الصاع الذي تعرف به صدقة الأرضين، ... (رقم: 1571)