ما ذكره شيخ الهند _رحمه الله_ في الأصل الرَّابع عشر: أنَّ الإمام البخاري قد يورد بعد التَّرجمة حديثًا يوافقها، ثم يذكر بعد ذلك حديثًا لا يوافقها، بل قد يخالفها، ويكون ذكر هذا الحديث الثَّاني لمصلحة الحديث الأوَّل، كتوضيح إجمال ما في الحديث الأوَّل.
وذكر هذا الأصل القُطب الكنكوهي _قدس سره_ أيضًا في مبدأ «تقريره» كما سيأتي في أول باب منه. إذ قال: إنَّ المؤلف كثيرًا ما يورد من الرِّوايات ما لها أدنى مناسبة بالحديث الوارد في الباب، وإن لم يكن لها مناسبة بالباب والتَّرجمة. انتهى.
وأخذ بذلك الأصل شيخ المشايخ في تراجمه كثيرًا كما أوضحت أمثلته في «حاشية اللَّامع» .
منها: ما قال في باب ترك القيام للمريض من أنَّ حديث أبي نُعَيم الَّذي أورده أولًا في هذا الباب يدل صريحًا على التَّرجمة، وأما الحديث الثَّاني أي حديث محمد بن كَثِير فليس له دلالة ظاهرة على ما يناسب التَّرجمة، وإنَّما أورده ههنا إشارة إلى أن الرُّواة اختلفوا على سفيان، إلى آخر ما قال.
وإلى ذلك أشار الحافظ في «الفتح» إذ قال: استشكل أبو القاسم بن الورد مطابقة حديث جندب للتَّرجمة، وتبعه ابن التِّين فقال: احتباس جبرائيل ليس ذكره في هذا الباب في موضعه. انتهى.
قال الحافظ: وقد ظهر بسياق تكملة المتن وجه المطابقة، وذلك أنَّه أراد أنَّ ينبِّه على أن الحديث واحد لاتحاد مخرجه إلى آخر ما قال.
وكذلك قال العيني: إنَّ مطابقته للتَّرجمة من حيث أنَّ هذا من تتمة الحديث السَّابق، ويدفع بهذا ما قاله ابن التِّين إلى آخره.
وكذلك أخذ بذلك الأصل شيخ المشايخ في باب النَّهْي عن تَلَقِّي الرُّكْبَان إذ قال: قوله: «عياش بن الوليد» إنما أتى بهذا الحديث في هذا الباب إشارة إلى مسألة حديثيَّة في حديث ابن عباس المذكور سابقًا، وهي أنَّه اختُلف في هذا الحديث على مَعْمَر؛ فعبد الواحد عنه يذكر: «لا تَلَقَّوا الركبان» وعبد الأعلى عنه لا يذكره، وذكر الاختلاف من مهمَّات مسائل المحدِّثين، والبخاري يعتني به في هذا الكتاب كثيرًا [1] . انتهى.
وقال الحافظ في «الفتح» : وليس فيه للتَّلقِّي ذكر، وكأنَّه أشار على عادته إلى أصل الحديث، فقد سبق قبل ببابين من وجه آخر عن مَعْمَر، وفي أوله «ولا تَلَقَّوا الرُّكبان» . انتهى.
قلت: وعلى ما قاله الحافظ يكون الحديث من الأصل الحادي عشر، بخلاف ما أفاده شيخ المشايخ.
ج 1 ص 35
[1] شرح تراجم أبواب البخاري: ص 392.