فهرس الكتاب

الصفحة 336 من 4610

كتب الشَّيخ في (( اللَّامع ) )ظاهر كلامه أنَّه ذاهب إلى ما ذهب إليه مالك، من أنَّ الماء لا ينجسه اختلاط نجس، ما لم يغير أحد أوصافه، قلَّ الماء أو كثر، ودلالة كلام الزُّهري على هذا المعنى ظاهرة، فأمَّا كلام حمَّاد فمعناه: أنَّ الرِّيشة لمَّا لم يكن في وقوعها بالماء تغيير له لم ينجس الماء، وكذلك كلام الزُّهري في العاج معناه: أنَّه لو كان مطلق الاختلاط منجسًا من دون اعتبار الغلبة، لكان الدَّهن متنجس بملاقاة العاج والعلماء لا يبالون بذلك، فعلم أنَّ النَّجاسة متوقِّفة على غلبة أحد أوصاف النَّجاسة.

والجواب: أمَّا عن كلام الزُّهري الأوَّل فإنَّه في الماء

ج 2 ص 217

الكثير لا مطلقًا، وأمَّا من كلام حمَّاد فإنَّ الرِّيشة ليست بنجسة إذا يبس ما عليها، وكذا العظم فلا يمكن الاحتجاج بكلام الزُّهري، الثَّالث أيضًا مع أنَّه لا عبرة بكلام هؤلاء مخالفًا لما ثبت عنه صلَّى الله عليه وسلَّم.

ثم إن دلالة الروايات على التَّرجمة حسب ما قصد المؤلِّف ظاهرة، فإنَّه قصد أنَّ السَّمن إنَّما لم يتنجس لأنَّ أحد أوصافه لم يتغيَّر لوقوع الفأرة فيه، وكذلك الاستدلال بطهارة المسك، فإنَّ الأمَّة قد اتَّفقت على طهارته مع أنَّه دم في الأصل، فعلم أنَّ الحكم يتغيَّر من الطَّهارة إلى النَّجاسة وبالعكس بتغيير الذَّات، فكذلك بتغير بعض الأوصاف، فأمَّا إذا لم يتغيَّر بوقوع النَّجس فيه شيء من الأوصاف الثَّلاثة، فلا معنى لتغير الحكم عليه من الطَّهارة إلى النَّجاسة، والجواب للإمام والشَّافعيِّ _ رحمهما الله _ في حكمهما بنجاسة الماء وإن لم يتغير أحد أوصافه أنَّ التَّغيير غير منحصر في ما ذكرتم، بل التَّغير قد يتطرَّق إلى الشَّيء ولا يحس به إحدى الحواس الظَّاهرة، وقد علم بذلك بإعلام من الشَّارع، وأيضًا فإنَّ تحديد الشَّارع على خلاف بين المذهبين فيه يدلُّ على أنَّ الأمر غير مبني على التَّغير مطلقًا قلَّ الماء أو كثر، وإنَّما هذا سبيل الكثير، ويتنجَّس ما دونه بملاقاة القليل من النَّجاسة أيضًا. انتهى.

وفي (( هامشه ) )قوله: (باب ما يقع ... إلى آخره) قال الحافظ: أي هل ينجسها أم لا؟ أو لا ينجس الماء إلَّا إذا تغيَّر دون غيره، وهذا الذي يظهر من مجموع ما أورده المصنِّف في الباب من أثر وحديث. انتهى.

والمسألة خلافيَّة شهيرة، واختلفت العلماء في ذلك على أقوال كثيرة بلغها مولانا عبد الحي في السعاية والتَّعليق الممجَّد إلى خمسة عشر مذهبًا، وأشبع الشَّيخ _ قُدِّس سرُّه _ الكلام على هذه المسألة في الكوكب، وأوسع المذاهب في ذلك مذهب الظَّاهرية أنَّ العبرة لغلبة النَّجاسة، ثمَّ بعد ذلك مذهب مالك وهو رواية لأحمد أنَّ الماء طاهر ما لم يتغيَّر أحد أوصافه، والثَّانية لأحمد وهو مذهب الشَّافعيِّ أنَّ العبرة للقلَّتين، والرَّابع مذهب الحنفيَّة أنَّ العبرة لرأي المبتلى به كما بسط في الكوكب، وقيَّده بعضهم لسهولة العوام بعشر في عشر، ومسألة العاج والرِّيش، بسط الكلام على اختلاف الأئمَّة فيهما في (( هامش اللَّامع ) ).

والجملة أنَّ الرِّيش طاهر عند الأئمَّة الثَّلاثة خلافًا للشَّافعيِّ، وأمَّا العاج والعظام فطاهر عند الحنفيَّة ونجس عند الشَّافعيِّ وأحمد، وفرَّق مالك بين المذبوح وغيره، والبسط في (( هامشه ) ).

وفيه أيضًا: أمَّا مسألة السَّمن فهي خلافيَّة شهيرة، ومسلك الإمام البخاري في ذلك على ما هو المشهور عند الشُّرَّاح والمشايخ أنَّ السَّمن ونحوه مثل الماء في ذلك، لا يتنجَّس بملاقاة النَّجاسة حتَّى يتغيَّر أحد أوصافه، ولذا جمع الماء والسَّمن ههنا، وترجم في كتاب الصَّيد (باب إذا وقعت الفأرة في السَّمن الجامد والذَّائب) وذكر فيه أيضًا حديث الباب، ولا فرق عنده في الجامد وغيره وهو مذهب الزُّهري والأوزاعي، وحكاه الحافظ في (( الفتح ) )، ورواية لأحمد.

والأوجه عند هذا العبد الضَّعيف أنَّ الرِّواية لأحمد في الكثير دون القليل، كما بسطت الرِّوايات الثَّلاثة لأحمد في (( الأوجز ) )، والجمهور على التَّفريق بين الجامد والمائع، لما في رواية أبي داود وغيره عن أبي هريرة مرفوعًا: «إذا وقَعَت الفَأرَة في السَّمن فإن كان جامدًا فألقُوه وما حَولها، وإن كان مَائعًا فلا تقربوه» [1] ، ولا ينافيه رواية ميمونة هذه المجملة كما بسطت في (( الأوجز ) ).

ومال مولانا الشَّيخ أنور شاه الكشميري كما في (( فيض الباري ) )أنَّ الظَّاهر من تبويب البخاري أنَّه مال إلى الفرق بين النَّجاسة الجامدة والمائعة، فالجامدة إذا وقعت في الماء وأخرجت من ساعته لم تنجس بخلاف المائعة، وقال: هذه رواية غير مشهورة عن الإمام كما في فتاوى ابن تيميَّة،

ج 2 ص 218

ولذا ذكر حديث الفأرة وهي جامدة في الباب الأوَّل، ثمَّ عقَّبه بباب البول في الماء وهو نجاسة مائعة. انتهى. وبسط في الهامش أيضًا الكلام على ذكر المسك في التَّرجمة أشدَّ البسط.

ج 2 ص 219

[1] سنن أبي داود، كتاب الأطعمة، باب في الفأرة تقع في السمن، (رقم: 3842)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت