فهرس الكتاب
قال الحافظ: الإجارة: بكسر أوله على المشهور وحكي ضمها وهي لغة: الإثابة، واصطلاحًا: تمليك منفعة رقبة بعوض. انتهى.
اعلم أنَّ التمليك على نوعين: ما يتعلق بالعين، والثاني: ما يتعلق بالمنفعة، وكل واحد منهما إمَّا بعِوَض أو بغير عِوَض، فتمليك العين بالعِوَض هو البيع، وبغير العِوَض هو الهبة، وتمليك المنفعة بعِوَض إجارة، وبغير عِوَض إعارة كذا يستفاد من (( الهداية ) )و (( حواشيه ) ).
وبسط الكلام على مباحث الإجارة صاحب (( البدائع ) )وقال: الكلام في هذا الكتاب يقع في سبع مواضع ثم ذكرها.
وقال أيضًا: الإجارة جائزة عند عامة العلماء، وقال أبو بكر الأصم: إنَّها لا تجوز، والقياس ما قاله؛ لأنَّ الإجارة بيع المنفعة والمنافع للحال معدومة، والمعدوم لا يحتمل البيع، فلا يجوز إضافة البيع إلى ما يؤخذ في المستقبل كإضافة البيع إلى أعيان تؤخذ في المستقبل، فإذًا لا سبيل إلى تجويزها باعتبار الحال، ولا باعتبار المآل، فلا جواز لها رأسًا، لكنا استحسنَّا الجواز بالكتاب والسُّنة والإجماع [1] إلى آخر ما بسطه.
قال القَسْطَلَّانِي: فيه إشارة إلى قطع وهم من لعله يتوهم أنَّه لا ينبغي
ج 3 ص 650
استئجار الصالحين في الأعمال والخدم لأنَّه امتهان لهم قاله ابن المنير.
(وقول الله تعالى) بالجر عطفًا على السابق، وبالرفع على الاستئناف، وأشار بذلك إلى قصة موسى عليه الصلاة والسلام مع ابنة شعيب في سقيه المواشي، (ومن لم يستعمل) أي: من الأئمة (من أراده) أي: لا يفوض الأمر إلى الحريص على العمل لأنَّه لحرصه لا يُؤمَّن، وهذان الجزءان من جملة الترجمة، وقد ساق لكل منهما حديثًا [2] . انتهى.
قال الحافظ: قال الإسماعيلي: ليس في الحديثين جميعًا معنى الإجارة.
وقال الداودي: ليس حديث الخازن الأمين من هذا الباب لأنَّه لا ذكر للإجارة فيه.
وقال ابن التين: وإنَّما أراد البخاري أنَّ الخازن لا شيء له في المال، وإنَّما هو أجير.
وقال ابن بطال: إنَّما أدخله في هذا الباب لأنَّ من استؤجر على شيء فهو أمين فيه، وليس عليه في شيء منه ضمان إن فسد أو تلف إلَّا إن كان ذلك بتضييعه.
وقال الكَرْماني: دخول هذا الحديث في باب الإجارة للإشارة إلى أنَّ خازن مال الغير كالأجير لصاحب المال.
وأمَّا دخول الحديث الثاني في الإجارة فظاهر من جهة أنِّ الذي يطلب العمل إنَّما يطلبه غالبًا لتحصيل الأجرة التي شرعت للعامل، والعمل المطلوب يشمل العمل على الصدقة في جمعها وتفرقتها في وجهها، وله سهم منها كما قال الله تعالى: {وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا} [التوبة:60] فدخوله في الترجمة من جهة طلب الرَّجلين أن يستعملهما النبي صلى الله عليه وسلم على الصدقة أو غيرها، ويكون لهما على ذلك أجرة معلومة [3] . انتهى.
قلت: ولا يبعد عند هذا العبد الضعيف أنَّ إدخال الحديث الثاني في الباب من حيث إنَّ طلب العمل علامة لكونه غير صالح، فقد ورد حديث الباب عند أبي داود من زيادة قوله صلى الله عليه وسلم «إِنَّ أَخْوَنَكم عِندنَا مَنْ طَلَبَهُ» .
ثم لا يذهب عليك ما أفاده الشيخ _قدس سره ولله دره_ إذ قال: ثم إن الأدب في ذلك أن لا يستعمل الطالب على ما فيه مظنة الخيانة وشبهة عدم القيام بالأمر الذي نيط به، وأنَّه لا يأتي به على وجه، وليس المراد أنَّ كل طالب عمل لا يستعمل كيف ولو كان المراد ذلك لانسد باب الأعمال والإجارات، فإن الأجراء قلما يتفطن لهم أنهم أجراء إلَّا إذا طلبوا وأظهروا ذلك من أنفسهم مع أنَّ يوسف عليه الصلاة والسلام طلب العمل من نفسه حيث رأى أنَّه قوي على ذلك فقال {اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} [يوسف:55] وقد سأل بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الإمامة، فقال: اجعلني إمام قومي، فقال «أنْتَ إمامُهُمْ واقْتَدِ بأضْعَفِهِمْ» . انتهى.
وذكر في (( هامشه ) )من الروايات ما يدل على تأييد كلام الشيخ قدس سره.
ج 3 ص 651
[1] بدائع الصنائع:4/ 173
[2] إرشاد الساري:4/ 126 مختصرا
[3] فتح الباري:4/ 440