أنَّ الإمام البخاري يذكر في التَّرجمة أمرين يثبت أحدهما بالنص والآخر بالأولوية، كما أفاده شيخ المشايخ في باب ما يُذْكَر في المُنَاولة ... إلى آخره إذ قال: ذَكَر في التَّرجمة أمرين:
1 -المناولة.
2 -وكتاب أهل العلم بالعلم إلى البلدان.
وأثبت بحديثي الباب الأمر الثَّاني، فثبوت الأمر الأوَّل بالطَّريق الأولى فافهم. انتهى.
قلت: قد أخذ شيخ المشايخ بهذا الأصل في عدة مواضع من تراجمه فقال في باب التَّيمُّن في الوضوء والغسل: ثبت بأول حديث الباب التَّيمُّن في غسل الميت، فثبت التَّيمُّن في غسل الحيِّ بالطَّريق الأولى لكونه الأصل.
وذكره في باب البول قائمًا وقاعدًا: أُثبت بالحديث الأوَّل، والثَّاني بالطَّريق الأَوْلَى وهكذا قرره الشُّراح، ثم ذكر توجيها آخر واختاره منها خاصة.
وما حكاه الشَّيخ عن الشُّراح حكاه الحافظ في «الفتح» عن ابن بطال: دلالة الحديث على القُعود بالطَّريق الأَوْلَى لأنَّه إذا جاز قائما فقاعدا أجْوَزُ. انتهى.
وأخذ شيخ المشايخ بهذا الأصل في باب التَّسمية على كل حال ... إلى آخره إذ قال: لما لم يكن الحديث الَّذي رُوي في باب التَّسْمِية قبل الوضُوء على شرط المؤلف، أثبت التَّسمية للوضوء بالحديث الَّذي أورده في الباب لدلالته على الاستحباب في الوضوء بالطَّريق الأولى. انتهى مختصرًا ملخصًا.
وأخذ العيني هذا الأصل في الباب المذكور بوجه آخر، وهو إثبات التَّسمية عند الوقاع نص، وعلى كل حال بالأَوْلَى.
وحكاه الحافظ في باب وُجُوب القراءة تحت حديث قصة سعد رضي الله عنه، عن الكرماني إذ قال: وأبدى الكرماني لتخصيص العشاء بالذِّكر حكمة، وهو أنَّه لما أتقن فعل هذه الصَّلاة الَّتي وقتها وقت الاستراحة، كان ذلك في غيرها بطريق الأَوْلَى. انتهى.
وذكر شيخ الهند أيضًا في مبدأ ترجمه هذا الأصل لكنَّه ذكر له وجها آخر، إذ قال في الأصل الثَّالث عشر: أنَّه قد يذكر في التَّرجمة أمران، والوارد فيه مُثْبِتٌ للواحد فقط، فيتوهم منه أن الأمر الثَّاني لم يثبت، وليس كذلك، بل يكون مقصود المؤلف جزء واحد، لا الآخر؛ لظهوره واتفاق العلماء عليه، فيذكره تبعًا واستطرادًا. انتهى. ما قاله معربًا مختصرًا.
وأخذ شيخ الهند _قدس سره_ عن العيني إذ اختاره في الباب المذكور أي البول قائمًا وقاعدًا بعد التَّعقيب على توجيه ابن بطال: والأحسن أن يقال لما ورد في الباب جواز البول قائمًا وقاعدًا بأحاديث كثيرة، أورد البخاري حديث الفصل الأوَّل، وفي التَّرجمة أشار إلى الفصلين، إما اكتفاء بشهرة الفصل الثَّاني وعمل أكثر النَّاس عليه، أو إشارة إلى أنه اقتصر على أحاديث الفصل الأوَّل لكونها على شرطه [1] . انتهى مختصرًا.
وهذا الأصل غير الأصلين الآتيين في عـ 38 وعـ 39 وغير الَّذي تقدم في الحادي عشر كما لا يخفى.
ج 1 ص 29
[1] عمدة القاري:3/ 134.