فهرس الكتاب

الصفحة 125 من 4610

32 - «أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ؟» : كتب الشَّيخ _ قُدِّس سرُّه _ في (( اللَّامع ) )استشكل عليهم ما يتبادر من العموم، حيث وقعت النِّكرة

ج 2 ص 124

تحت النَّفي، والتَّجنُّب بأنواع الظُّلم بأسرها _بحيث يتناول المكروهات التَّنزيهية والتَّحريمية والصِّغار من المعاصي والكبار_ متعذِّر على غير الأنبياء لعصمتهم، فأجاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم [1] بأنَّ اللَّبس قرينة على أنَّ المراد بالظُّلم معظم أفراده وهو الشِّرك، وأمَّا اللَّمم فليست لها في جنبة الإسلام من وجود، وكذا الكبائر من المعاصي فإنَّها تتلاشى في زاخر الإيمان إلَّا الكفر، فالآية مسوقة لبيان أنَّ الظُّلم يطلق على الكفر والشِّرك، وأنَّه معظم أنواعه، وأمَّا الجواب ففي تنكير الظُّلم أنَّه للتَّعظيم بقرينة اللَّبْس. انتهى.

وبسط في (( هامشه ) )الكلام على أكثر كلام الشَّيخ _ قُدِّس سرُّه _ وكتب على قوله: أنَّه للتَّعظيم بقرينة اللِّبس، فقال: لله در الشَّيخ ما أجاد فيما أفاد، فإن اللَّبْس _ أي: الخلط _ يشعر إلى عظمة ما خالطه، فإنَّ الشَّيء القليل الذي يتلاشى في البحر العظيم لا يقال فيه الخلط، فكذا الإيمان بحر عظيم والمعاصي بجنبه أجزاء متلاشية، بخلاف الكفر فإنَّه مقابل الإيمان فيصدق عليه الخلط بداهة. انتهى.

وحكى صاحب (( النُّور السَّاري ) )عن (( تقرير شيخ الهند ) )_قُدِّس سرُّه_ في قوله: {لَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} [الأنعام:82] إلى آخره، هذا الحديث مختصر، وجاء بطريق آخر: «أن الصَّحابة لمَّا نزلت هذه الآية قالوا: أيُّنا لم يظلم يا رسول الله؟ فقال النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: إنَّ المراد من الظُّلم الشِّرك» وجاء الوحي: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان:13] ، قيل: ما وجه فزع الصَّحابة من هذه الآية، وما وجه تخطئة النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم لهم وقوله لهم ما قال؟ فالشُّرَّاح _ رحمهم الله تعالى _ قالوا: إنَّ الصَّحابة فهموا ما فهموا من الآية بالنَّظر إلى القاعدة الكليَّة وهو أنَّ النَّكرة إذا وقعت تحت النَّفي تفيد العموم والاستغراق والشُّمول، فالظُّلم عام شامل للمعاصي والكفر جميعًا، فالتَّنوين في ظلم للتَّنكير، وما قال النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم فهو بناء على أنَّ التَّنوين فيه للتَّعظيم، والظُّلم العظيم هو الشِّرك، لكن قال الأستاذ العلَّامة سلمه الله تعالى: إنَّ هذا التَّقرير يخلُّ بفصاحتهم وبلاغتهم، وليس من شأنهم كهذا الكلام، ومع هذا نسأل منهم ما وجه عدول النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم عن القاعدة الكليَّة ولا دليل على ما قال، وهذا بعيد من شأن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ولكن شيئًا آخر كان بينهما فعلًا للمقصود، ولمَّا قال النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ما قال فهموا مطلبه، فقال الأستاذ العلَّامة سلمه الله تعالى: الأَوْلَى والألْصَق بالقلب أن يقال كما قال مولانا الشَّاه عبد القادر الدَّهلوي في ترجمته للكلام المجيد تحت هذه الآية، خلاصته: أنَّ الصَّحابة فهموا من هذه الآية الإيمان الكامل، فقال النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: المراد من الظُّلم الشِّرك بناء على أنَّ المراد من الإيمان الصِّدق واليقين، فالتباس الظُّلم به يكون إذا كان يراد منه الشِّرك، وقال مولانا قاسم الخيرات، أي: مولانا الشَّيخ محمد قاسم النَّانوتوي: إنَّ اللَّبس في اللُّغة الاختلاط في محل واحد، والصَّحابة رضي الله تعالى عنهم وقعوا في هذا وقالوا ما قالوا، لأنَّهم فهموا معنى اللَّبس اتصالًا، فقالوا: أيُّنا لم يظلم؟ فقال النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان:13] ، يعني: أنَّ المراد من اللَّبس هو الجمع في محل واحد، وهو يتحقق إذا كان يراد من الظُّلم الشِّرك، فإنَّ للإيمان والشِّرك محلًّا واحدًا، وإن شئت أن يتيسر لك المقصود فعليك أن تجمع ما قالا بأن تقول: إنَّهم فهموا اللَّبس اتصالًا والإيمان كاملًا، وقال النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: إنَّ الإيمان هو الاعتقاد واليقين، واللَّبس خلط شيئين في محل واحد، والله أعلم بالصَّواب. انتهى.

وما أفاده حجَّة الإسلام النَّانوتوي قد سبقه إلى ذلك العلَّامة بهاء الدِّين السُّبكي في (( عروس الأفراح ) )وكان خطر لي قديمًا أنَّ في الآية الكريمة ما يشير إلى أنَّ المراد بالظُّلم فيها الكفر وهو قوله تعالى: {وَلَمْ يَلْبِسُوا} [الأنعام:82] ، لأنَّ الذي يلبس الإيمان هو الشِّرك

ج 2 ص 125

فإنَّه كالممازج له، ولا تلتبس بالإيمان، وعرضت هذا المعنى على والدي بدرس الشَّامية بدمشق، فارتضاه وفرح به. انتهى.

قلت: وحاصله أنَّه جعل اللَّبس قرينة على كون المراد بالظُّلم هو الشِّرك، فإنَّ الخلط إنَّما يمكن في محل واحد، ومحل الأمرين هو القلب.

ج 2 ص 126

[1] جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورد في رواية أخرى للحديث ذكرها البخاري في كتاب استتابة المرتدين والمعاندين، باب ما جاء في المتأولين، (رقم: 9637) وهي قوله: «وَقَالُوا: أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لَيْسَ كَمَا تَظُنُّونَ، إِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: {يَا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ} [لقمان:13] لَظُلْمٌ عَظِيمٌ» ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت