فهرس الكتاب

الصفحة 134 من 4610

39 - «وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ ... إلى آخره» : قال شيخ المشايخ الدهلوي في (( تراجمه ) )، أي: أخْذُه بالشِّدَّة بترك الأرْفَق الأيْسَر، وكتب الشَّيخ الكنكوهي _ قُدِّس سرُّه _ في (( اللَّامع ) )، أي: بالتزام ما هو أعلى مراتب العزيمة؛ إلا غلبه الدِّين، بأن لا يُمْكِنُه الجَرْي على ما التزمه، وذلك لما في العزيمة من عسر يشقُّ الدَّوام عليها، مع أنَّ مراتب العزيمة متفاوتة، ففوق كلِّ مرتبة مزيد، وفيه دلالة على تفاوت الإيمان زيادة ونقصانًا، فإنَّ من تخيَّرَ أعلى مراتب العزيمة كان أقواهم إيمانا كالأنبياء. انتهى.

وبسط الكلام في (( هامشه ) )على شرح قول (( اللَّامع ) )وفيه قال الحافظ: قال ابن المُنَيِّر في هذا الحديث: عَلَم مِن أعْلَام النُّبوَّة، فقد رأينا ورأى النَّاس قبلنا أنَّ كلَّ مُتَنَطِّع في الدِّين ينقطع، وليس المراد منع طلب الأكمل في العبادة، فإنَّه من الأمور المحمودة، بل منع الإفراط المؤدِّي إلى المَلال، أو المبالغة في التَّطَوُّع المفْضِي إلى ترْكِ الأفضل، أو إخراج الفَرْض عن وقته، كمَنْ بَات يصلِّي اللَّيل كلَّه ويغالب النَّوم إلى أن غلبته عيناه في آخر اللَّيل، فنام عن صلاة الصُّبح في الجماعة، أو إلى أن خرج الوقت المختار، ويستفاد من الحديث الإشارة إلى الأخذ بالرُّخصة الشَّرعيَّة، فإنَّ الأخْذ بالعزيمة

ج 2 ص 129

في موضِع الرُّخْصَة تَنَطُّع، كمن يترك التَّيمم عند العجز عن استعمال الماء فيُفْضِي إلى الضَّرر.

قوله: «قَارِبُوا وَأَبْشِرُوا» ، قال شيخ المشايخ الشَّاه وليُّ الله الدَّهلوي في (( تراجمه ) ): أي خذوا العمل القريب من الطَّاقة، وأبشروا، أي: بالثَّواب على العمل، وإن قلَّ، وكذا في (( الفتح ) )أيضًا.

وقال التَّيمي: وقاربوا، إمَّا أن يكون معناه قاربوا في العبادة ولا تباعدوا فيها، فإنَّكم إن باعدتم في ذلك لم تبلغوه، وإمَّا أن يكون معناه ساعدوا، يقال: قاربت فلانًا إذا ساعدته، أي: ليساعد بعضكم بعضا في الأمور، والأوَّل أليق بترجمة الباب، كذا في الكرماني.

قوله: «وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ ... إلى آخره» : قال شيخ المشايخ الدَّهلوي في (( تراجمه ) )الغَدْوة: السَّير أوَّل النَّهار، والرَّوْحة السَّير بعد الزَّوال، والدُّلْجَة السَّير آخر اللَّيل، والمعنى: استعينوا، أي: واظبوا على الطَّاعات في هذه الأوقات. انتهى.

وقال الشَّيخ الكنكوهي _ قُدِّس سرُّه _ في (( اللَّامع ) )قوله: «اسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ ... إلى آخره» ، أي: فلمَّا لم يُبْقِ التزام أعلى مَراتب العَزيمة لم يُجِزِ التَّرك بالكليَّة، بل ينبغي التزام ما يمكن الدَّوام عليه من كثرة النَّوافل وغيرها من القربات في تلك الأوقات، ووجه تخصيصها غير خفي. انتهى.

وبسط الكلام على ذلك في (( هامش اللَّامع ) )أشدَّ البسط، وفيه: الغَدوة _بفتح الغين_ ما بين صلاة الغداة وطلوع الشَّمس، والرَّواح من زوال الشَّمس إلى اللَّيل، والدُّلْجَة _بفتح الدَّال وضمها_ من الإدْلاج _بسكون الدَّال_ السَّير أوَّل اللَّيل، ومن الإدِّلاج _بالدَّال المكسورة المشدَّدة_ سير آخر اللَّيل، وأمَّا الرِّواية فهو بضمِّ الدَّال، وهو مثل قوله تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلاة طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ} [هود:114] ، كأنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم خاطب مسافرًا يقطع طريقه إلى مَقْصِده، فنبَّهه على أوقات نشاطه، لأنَّ هذه الأوقات أفضل أوقات المسافر، بل على الحقيقة الدُّنيا دار نقلة وطريق إلى الآخرة، فنبَّه أمَّته أن يغتنموا أوقات فرصتهم وفراقهم. إلى آخر ما بسط فيه.

وفي (( فيض الباري ) )وكان مولانا قطب العالم الشَّيخ الجنجوهي _ رحمه الله _ يُؤَوِّله بالذِّكر في الغدوة والرَّوحة وشيء من الدُّلجة، وإن ورد الحديث في الجهاد. انتهى.

ج 2 ص 130

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت