50 -قوله: «كَأَنَّكَ تَرَاهُ ... إلى آخره» ، أجاد الشَّيخ _ قُدِّس سرُّه _ في (( الكَوكب ) )إذ كتب: وهذا جامع لمراتب الإحسان، فكلَّما زاد المراقبة حسن الإحسان، وقوله الآتي: «فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإنَّه يَرَاكَ» ، بيَّنه الشَّارحون بحيث يكون مرتبة أدون من التي قبلها، فقالوا: وإن لم تقدر على ذلك فاعبده كأنَّه يراك، وهذا بعيد.
أمَّا أولًا: فلأنَّ المراقبة في ذلك أشدُّ، لأنَّه تبارك وتعالى لمَّا كان ناظرًا إليه ورائيًا حاله وراقب العبد ذلك اشتد أمر الإحسان وزاد فيه، لا أنَّه يكون مرتبة دونى مؤنث دون نسبة إلى الأولى.
وأمَّا ثانيًا: فلأنَّ المناسب حينئذ هو أن يقال: كأنَّه يراك، وهذا غير صحيح، بل الرؤية منه سبحانه محققة قطعية، إلا أنَّ يقال: المقصود أنَّه تعالى وإن كان رائيًا حاله إلَّا أنَّ الواجب على العابد مراعاة رؤيته، والمراعاة غير محققة قطعًا، ومع ذلك ففيه بعد كما لا يخفى، فقوله هذا ليس دليلًا إلَّا على القول الأوَّل، يعني: أنَّ المرء إذا استبعد رؤيته الرَّب تبارك وتعالى، قال النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «اعبد الله كأنَّك تراه» لأنَّك إن لم تكن تراه فإنَّه يراك، فكيف تغفل وكيف تصلي وقلبك في مكان وجسمك في مكان؟ وكيف تسبِّح الله بلسانك وقلبك مشغول بفلان وفلان؟. انتهى.
وذكر القسطلَّاني ههنا كلامًا دقيقًا مفيدًا، فقال: هذا من جوامع كلمه عليه الصَّلاة والسَّلام؛ إذ هو شامل لمقام المشاهدة ومقام المراقبة، ويتَّضح ذلك بأن تعرف أنَّ للعبد في عبادته ثلاثة مقامات:
الأوَّل: أن يفعلها على الوجه الذي تسقط معه وظيفة التَّكليف باستيفاء الشَّرائط والأركان.
الثَّاني: أن يفعلها كذلك وقد استغرق في بحار المكاشفة كأنَّه يرى الله تعالى، هذا مقامه صلَّى الله عليه وسلَّم، كما قال: «وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي في الصَّلاة» لحصول الاستلذاذ بالطَّاعة والرَّاحة بالعبادة، وانسداد مسالك الالتفات إلى الغير باستيلاء أنوار الكشف عليه، وهو ثمرة امتلاء زوايا القلب من المحبوب، واشتغال السِّر به، ونتيجة نسيان الأحوال من المعلوم، واضمحلال الرسوم.
الثَّالث: أن يفعلها وقد غلب عليه أنَّ الله تعالى يشاهده، وهذا هو مقام المراقبة، وقوله: «فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ» نزول عن مقام المكاشفة إلى مقام المراقبة، أي: إن لم تعبده وأنت من أهل الرُّؤية المعنوية فاعبده وأنت بحيث إنَّه يراك، وكل من المقامات الثَّلاث إحسان، إلَّا أنَّ الإحسان الذي هو شرط صحَّة العبادة إنَّما هو الأوَّل، لأنَّ الإحسان بالآخرين من صفة الخواص، ويتعذر من كثيرين، وإنَّما أخَّر السُّؤال عن الإحسان لأنَّه صفة الفعل أو شرط في صحَّته، والصِّفة بعد الموصوف، وبيان الشَّرط متأخر عن المشروط، قاله أبو عبد الله الأبي. انتهى.
وبسط الكلام على معناه على طريق الصوفية في (( الأمم لإيقاظ الهمم ) )في أسانيد الكردري.
إلى هنا انتهى استماع تراجم البخاري في المدينة المنوَّرة، يوم الخميس في الخامس والعشرين من أوَّل الرَّبيعين سنة إحدى وتسعين وثلاثة وألف، ثمَّ بدئ بعد الرُّجوع إلى سهارنفور يوم الجمعة في السَّادس عشر مضت من آخر الرَّبيعين.
ج 2 ص 139