86 -قوله: «حتَّى الجنَّة وَالنَّارَ» قال السِّندي: غايةٌ لمحذوف، أي: ورأيتُ الأمور العظام في هذا المقام حتَّى الجنَّة والنَّارَ؛ إذ الجنَّة والنَّار مما رآه النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم قبل ذلك ليلة المعراج، كما ثبت في الأحاديث، فلا يصحُّ جعل «حتَّى الجنَّة» غاية لرؤية ما لم يره قبل، إلَّا أن يُجْعَل غاية له بتأويل: أي ما لم أكن أُرِيته في العالم السفلي، ويمكن أن يقال: لعلَّه رآهما في ذلك الوقت على صفة، أو على وجه ما سبقت الرؤية قبل ذلك على تلك الصِّفة، إلى آخر ما فيه.
قوله: «بهَذَا الرَّجلُ» اختلفوا في ذلك على أقوال عديدة:
الأوَّل: أنَّ لفظ الرَّجل من قول الرَّاوي بدل محمَّد، كما يظهر ممَّا في (( الأوجز ) )قال عياض: يحتمل أنَّه مُثِّل للميت في قبره، والأظهر أنَّه سمِّي له. انتهى.
الثَّاني: أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم مُثِّل له كما تقدَّم في كلام عياض، وقريب منه ما قيل: إنَّ تصويره صلَّى الله عليه وسلَّم فوتو [1] يكون في يد الملك، وبه بدأ الشَّيخ في الكوكب، وهذا هو الثَّالث: والفرق بينه وبين ما قبله أنَّ المراد من الثَّاني أنَّ صورته صلَّى الله عليه وسلَّم تَمْثُل في القبر كالمرآة.
الرَّابع: ما قال الطَّيبي: عبَّر بلفظ «هذا الرَّجل» الذي فيه تعظيم، امتحانًا، كذا في (( الأوجز ) )، وفي (( هامش الكوكب ) )قال أبو الطَّيب: وإنَّما أبهما ولم يقولا هذا الرَّسول؛ لئلا يُلَقَّن بإكرامه وتعظيمه، أنَّ المراد به النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم، لأنَّ المقام مقام الامتحان. انتهى.
الخامس: يكشف الحجابات بينه صلَّى الله عليه وسلَّم وبين الميت، وهما في قبريهما.
السَّادس: قال الطَّيبي وشرَّاح (( المصابيح ) )اللَّام للعهد الذِّهني، وفي الإشارة إيماء إلى تنزيل الحاضر المعنوي منزلة الصُّوري مبالغة [2] . انتهى من (( الأوجز ) ).
وفي (( الكوكب ) )قيل: يكتفيان بهذا القول، لأنَّه لا يخطر بالبال حينئذ إلَّا الله ورسوله، ولايصحُّ
ج 2 ص 160
إطلاق الرَّجل عليه سبحانه وتعالى، فلم يبق مصداقه إلَّا النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم. انتهى.
السَّابع: ما قيل أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم يشرف بقدومه الشَّريف، ولعلَّ المشار إليه في الشِّعْر الآتي بهذه الحالة:
~كششي كه عشق دارد نكزاردت بدين سان
~بجنازه كرنياني بمزار خواهي آمد [3]
ج 2 ص 161
[1] أي صورة
[2] مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح:1/ 204
[3] شعر فارسي معناه:"الجاذبية المليئة بالعشق لن تتركك هكذا فإن لم تتبع الجنازة فستأتي إلى المزار"