فهرس الكتاب

الصفحة 2683 من 4610

(39) (باب قوله {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ} الآية [البقرة:223] )

اختلف في معنى: أنَّى فقيل: كيف، وقيل: حيث، وقيل: متى، وبحسب هذا الاختلاف جاء الاختلاف في تأويل الآية. انتهى من (( الفتح ) )

وقال الحافظ في شرح الحديث: قوله (يأتيها في هكذا) وقع في جميع النسخ لم يذكر ما بعد الظرف وهو المجرور، ووقع في (( الجمع بين الصحيحين ) )للحميدي يأتيها في الفرج، وهو من عنده بحسب ما فهمه، ثم وقفت على سلفه فيه، وهو البرقاني، فرأيت في نسخة الصنعاني زاد البرقاني: يعني الفرج، وليس مطابقًا لما في نفس الرواية عن ابن عمر لما سأذكره، وقد قال أبو بكر بن العربي في (( سراج المريدين ) )أورد البخاري هذا الحديث في التفسير، فقال: يأتيها في وترك بياضًا، والمسألة مشهورة صنف فيها محمد بن سحنون جزء، وصنف فيها محمد بن شعبان كتابًا، وبين أنَّ حديث ابن عمر في إتيان المرأة في دبرها. انتهى.

ثم ذكر الحافظ عدة روايات عن ابن عمر بطرق مختلفة فيه

ج 5 ص 973

التصريح بأنَّ الآية نزلت في إتيان النساء في أدبارهن، وتكلم على هذه الروايات القَسْطَلَّانِي أيضًا، وقال: ولم ينفرد ابن عمر بذلك، بل رواه أيضًا أبو سعيد الخدري كما عند ابن جرير والطحاوي في (( مشكله ) )بلفظ: أن رَجلًا أصاب امرأته في دبرها، فأنكر الناس عليه، فأنزل الله الآية، وقد نقل إباحة ذلك عن جماعة من السلف لهذا الحديث وظاهر الآية، ونسبه له ابن شعبان لكثير من الصحابة والتابعين ولإمام الأئمة مالك في روايات كثيرة.

قال أبو بكر الجصاص في (( أحكام القرآن ) )المشهور عن مالك إباحته، وأصحابه ينفون هذه المقالة عنه لقبحها وشناعتها، وهي عنه أشهر من أن تندفع بنفيهم عنه. انتهى.

لكن روى الخطيب عن مالك من طريق إسرائيل بن روح قال: سألت مالكًا عن ذلك، فقال: ما أنتم قوم عرب، بل يكون الحرث إلَّا موضع الزرع لا تعدوا الفرج.

قلت: يا أبا عبد الله! إنَّهم يقولون: إنك تقول ذلك، قال: يكذبون علي، يكذبون علي، فالظاهر أنَّ أصحابه المتأخرين اعتمدوا على هذه القصة، ولعل مالكًا رجع عن قوله الأول، ولذا قال بعض المالكية: إن ناقل إباحته عن مالك كاذب مفتر، ومذهب الشافعي وأبي حنيفة وصاحبيه وأحمد والجمهور التحريم؛ لورود النهي عن فعله وتعاطيه، وحملوا ما ورد عن ابن عمر على أنَّه يأتيها في قبلها من دبرها إلى آخر ما بسط القَسْطَلَّانِي.

وكتب الشيخ قُدِّس سِرُّه في (( اللامع ) )قوله (يأتيها في) ولم يذكر المجرور استهانًا وصونًا للسانه من أن يجري عليه شيء من هذا القبيل، ونسبه العلماء إلى ما هو خلاف الجمهور، فقالوا: إنَّه جوز الإتيان في الدبر، والظاهر على ذلك أنَّه أراد بالحرث المرأة مطلقًا؛ لا موضع الوطئ خاصًا كما اختاره الآخرون، فقالوا: ليس الدبر موضع الحرث، فلم يجز إتيانها منه، فإذا أريدت بالحرث هي بتمامها؛ لكونها محل نشوة الولد منبتها كان المعنى: وأتوا نسوتكم من أين شئتم.

هذا والصواب إرجاع كلامه إلى ما يوافق رأي الجمهور، فيقال: كلمة في ههنا بمعنى من، أو يقال: المضاف المجرور هو الجانب؛ أي: أتوها في جهاتها شئتم لا في أي صماخها شئتم. انتهى.

ج 5 ص 974

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت