(6) (باب قوله {قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا} الآية [آل عمران:93] )
ذكر فيه حديث ابن عمر في قصة اليهوديين، وقد سبق مختصرًا في الجنائز، ويأتي في الحدود، وقوله «يَحْنِي عليها» _بفتح حرف المضارع وسكون الحاء المهملة وكسر النون بعدها تحتية_ أي: يميل وينعطف، وفي نسخة: يَجْنَأُ _بفتح أوله وسكون الجيم وبعد النون المفتوحة همزة مضمومة_ أي: أكب. انتهى من القَسْطَلَّانِي.
وقال أيضًا: وفي هذه القصة من حديث جابر عند أبي داود في (( سننه ) )أنَّه شهد عنده صلى الله عليه وسلم أربعة أنَّهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة، قال النووي: فإن صح هذا فإن كان الشهود مسلمين فظاهر، وإن كانوا كفارا فلا اعتبار بشهادتهم، ويتعين أنَّهما أقرا بالزنا فلذا حكم عليه الصلاة والسلام برجمها.
وفي هذا الحديث من الفوائد: وجوب حد الزنا على الكافر، وبه قال الشافعي وأحمد وأبو حنيفة والجمهور خلافًا لمالك حيث قال: لا حد عليه، وأنَّه ليس من شرط الإحصان المقتضي للرجم الإسلام، وهو مذهب الشافعي وأحمد خلافًا لمالك وأبي حنيفة حيث قالا: لا يرجم الذمي؛ لأنَّ من شرط الإحصان الإسلام، وأنَّ أنكحة الكفار صحيحة، وإلَّا لما ثبت إحصانهم،
ج 5 ص 982
وأنَّهم مخاطبون بالفروع خلافا للحنفية. انتهى.
وفي (( الفيض ) )ثم إنَّ في الحديث معركة للقوم، وهي أنَّ الإسلام شرط لإحصان الرجم عند إمامنا، فكيف رجم النبي صلى الله عليه وسلم اليهودي واليهودية مع كونهما كافرين؟ وذهب الشافعي إلى أنَّ الكافر أيضًا يرجم، وفيه تفصيل عند المالكية، وبالجملة الحديث وارد على الحنفية، ثم إنَّ ابن أبي شيبة أفرد كتابًا سماه (( كتاب الرد على أبي حنيفة ) )وعدد فيه مسائل الحنفية التي تناقض الأحاديث عنده، وبلغ عددها زهاء مائة وأربعة، وبدأ كتابه من هذا الحديث، وقد أجاب العلامة القاسم بن قطلوبغا عن كتابه ولكنه مفقود لا يوجد، ثم إنَّ الطَّحَاوي أجاب عن حديث الباب وأصاب، وحاصله: أنَّ شرط الإحصان في شرعنا نزل بعد هذه القضية، فالقضايا التي كانت قبلها لا ترد علينا، وكأنَّ رجمه إذ ذاك بحكم التوراة، ولم يكن فيه شرط الإحصان.
قلت: ويعلم من (( فتح الباري ) )أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يعمل بشريعة التوراة فيما لم ينزل فيه شرعه قبل الفتح، ثم خالف بعده إلى آخر ما قال.
ج 5 ص 983