159 -160 - قوله: «فمضمض واستنثر» مجمل سيأتي مستقلًا في (باب من مضمض واستنشق من غرفة واحدة) وسيأتي الكلام هناك.
قوله: «ولكن عروة يحدِّث ... إلى آخره» قال الحافظ: يعني أنَّ شيخي ابن شهاب اختلفا في روايتهما له عن حُمْران عن عُثْمان فحدَّثه به عن عطاء على صفة وعروة على صفة، وليس ذلك اختلافًا، وإنَّما هما حديثان متغايران، وقد رواهما معاذ بن عبد الرَّحمن، إلى آخر ما بسطه الحافظ.
زاد القسطلَّاني: فأمَّا صفة تحديث عطاء فتقدَّمت، وأمَّا صفة تحديث عروة عنه فأشار إليها بقوله: «فلمَّا توضَّأ عثمان» عطف على محذوف، تقديره عن حُمْران «أنَّه رأى عثمان دعا بإناء، إلى أن قال: فغسل رجليه إلى الكعبين، فلمَّا توضَّأ قال» الحديث.
قوله: «لَوْلَا آيةٌ ما حَدَّثْتُكُمُوه ... إلى آخره» كتب شيخ المشايخ في (( تراجمه ) )قاله رضي الله عنه لأنَّه خاف أن لو سمع النَّاس بمثل هذه البشارة اجترؤوا على المعاصي، وقالوا: يغفر الله لنا بهذا العمل اليسير ولنفعل ما نشاء، وقال مالك _ رحمه الله _ في توجيه مثل هذا الكلام من عثمان أنَّه قال ذلك لأنَّه خاف أنَّ الناس يستبعدونه فلا يقبلونه، فيقعون في الإنكار، ويكذِّبون عثمان في رواية الحديث ويأثمون، لكن الآية التي قدَّرها عروة لا تلصق بهذا التَّوجيه، بل الآية التي أوردها عثمان على هذا التَّوجيه، قوله: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود:114] ، فمعنى الكلام أنَّ الحديث يؤيِّده النَّص من القرآن، فلم يمكن لكم إنكاره وإن استبعدتموه منِّي، ولولا هذه الآية لما حدَّثتكموه خوفًا عن طعنكم في الدِّين وإنكاركم الحديث، فافهم هذا المقام فإنَّه ممَّا زلَّ فيه أقدام الشُّرَّاح فخبطوا كثيرًا، والله الهادي وإليه الرَّشاد. انتهى.
قلت: الحديث الذي أخرجه مالك في الموطَّأ بلفظ «لَوْلاَ إنَّه فِي كِتَابِ اللهِ ... » الحديث، وفيه قال مالك: «أراه يريد هذه الآية {أَقِمِ الصَّلاة طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود:114] »
وفي (( الأوجز ) )قوله: لولا أنَّه كذا، روى يحيى بالنُّون والضَّمير، أي: لولا أنَّ معناه في كتاب الله موجود كما سيأتي في آخر الحديث ما حدَّثتكموه، أي هذا الحديث أبدًا، لئلا تتكلوا، لكن لمَّا كان معناه في كتاب الله موجودًا كما سيأتي، فلا فائدة في ترك الرِّواية، وروى
ج 2 ص 190
أبو مصعب وغيره بلفظ «لولا آية» بالياء والمدِّ وهاء التَّأنيث، أي: لولا آية في كتاب الله تتضمن معناه ما حدَّثتكموه، قاله الباجيُّ.
وقال الحافظ: إنَّ النُّون تصحيف من بعض الرُّواة، إلى آخر ما في (( الأوجز ) )، وفيه تفسير مالك، قال الباجيُّ: وعلى هذا التَّفسير تصحُّ الرِّوايتان بلفظ الياء والنُّون لكن في الصَّحيحين عن عروة أنَّ المراد بالآية قوله تعالى: {الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا} الآية [البقرة:159] ، وهو راوي الحديث، ورواه بالجزم فهو أولى بالقبول، ولذا رجَّحه الحافظ والنَّووي وجماعة بخلاف الإمام مالك، فذكره بالظَّنِّ، والجزم أولى، فيكون المعنى على تفسير عروة لولا آية تمنع من كتمان العلم ما حدَّثتكم به، وعلى هذا لا تصحُّ رواية النُّون. انتهى.
وأجاد حضرة الشَّيخ الكنكوهي على ما حكاه مولانا محمَّد حسن المكِّي في (( تقرير مسلم ) )قوله: ما حدَّثتكم لأنَّ حديثي هذا لنسخة من الكيمياء لا أحب أن يطَّلع عليها كل أحد، وغرضه التَّرغيب في الحديث. انتهى.
ج 2 ص 191