4721 - قوله «في حَرْث» بفتح المهملة وسكون الراء بعدها مثلة ووقع في كتاب العِلم من وجه آخر بخاء معجمة وموحدة وضبطوه بفتح أوله وكسر ثانيه وبالعكس والأول أصوب فقد أخرجه مسلم من طريق مسروق عن ابن مسعود بلفظ «كان في نخل» وزاد في رواية العلم بالمدينة ولابن مردويه من وجه آخر عن الأعمش «في حرث للأنصار» وهذا يدل على أن نزول الآية وقع بالمدينة، لكن روى الترمذي من طريق داود بن أبي هند عن عكرمة «عن ابن عباس قال قالت قريش لليهود أعطونا شيئًا نسأل هذا الرجل فقالوا سَلُوه عن الرُّوح فسألوه فنزل الله تعالى هذه الآية» ورجاله رجال مسلم ويمكن الجمع بأن يتعدد النزول بحمل سكوته في المرة الثانية على توقع مزيد بيان في ذلك، إن ساغ هذا وإلا فما في الصحيح أصح.
قوله «فسَأَلوه عن الروح» في رواية: التوحيد «فقام رجل منهم فقال: يا أبا القاسم ما الروح؟» قال ابن التين: اختلف الناس في المراد بالروح المسئول عنه في هذا الخبر على أقوال: الأول: روح الإنسان، الثاني: روح الحيوان، الثالث: جبريل، الرابع: عيسى، الخامس: القرآن، السادس: الوحي، السابع: ملك يقوم وحده صفا يوم القيامة، الثامن: ملك له أحد عشر ألف جناح ووجه، وقيل: ملك له سبعون ألف لسان، وقيل: له سبعون ألف وجه في كل وجه سبعون ألف لسان لكل لسان ألف لغة يسبح الله تعالى يخلق الله بكل تسبيحة ملكًا يطير مع الملائكة، وقيل: ملك رجلاه في الأرض السفلى ورأسه عند قائمة العرش التاسع خلق كخلق بني آدم يقال لهم الروح يأكلون ويشربون لا ينزل ملك من السماء إلا نزل معه، وقيل: بل هم صنف من الملائكة يأكلون ويشربون. انتهى كلامه ملخصًا بزيادات من كلام غيره.
وهذا إنَّما اجتمع من كلام أهل التفسير في معنى لفظ الروح الوارد في القرآن لا خصوص هذه الآية، فمِن الذي في القرآن {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ} [الشعراء:193] {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا} [الشورى:52] {يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ} [غافر:15] {وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ} [المجادلة:22] {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا} [النبأ:38] {تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا} [القدر:4] فالأول: جبريل، والثاني: القرآن، والثالث: الوحي، والرابع: القوة، والخامس والسادس: محتمل لجبريل ولغيره، ووقع إطلاق روح الله على عيسى، وقال القرطبي الراجح أنهم سألوه عن روح الإنسان لأن اليهود لا تعترف بأن عيسى روح الله، ولا تجهلون أن جبريل ملك وأن الملائكة أرواح، وقال الإمام فخر الدين الرازي: المختار أنهم سألوه عن الروح الذي هو سبب الحياة، وأن الجواب وقع على أحسن الوجوه إلى آخر ما بسط الحافظ الكلام في تعريف الروح إلى أن قال حتى قيل إن الأقوال فيها بلغت مائة. انتهى.
وهذا الحديث سبق في كتاب العلم في (باب وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) وتقدم شيء من الكلام عليه هناك وقد تكلم العلماء على مسألة الروح بتصانيف مستقلة فيها رسالتان أحدهما للحافظ ابن القيم باسم (( كتاب الروح ) )وهو مطبوع قديما والرسالة الثانية للإمام الرازي وقد طبع قريبًا باسم (( كتاب النفس والروح ) ).
ج 5 ص 1036