فهرس الكتاب

الصفحة 3004 من 4610

(1) (باب قوله {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ} الآية [الزمر:53] ) .

ذكر فيه حديث ابن عباس: أن ناسًا من أهل الشرك كانوا قد قَتَلوا، قال القَسْطَلَّانِي: سمى الواقدي منهم وحشي بن حرب قاتل حمزة، وكذا هو عند الطبراني عن ابن عباس من وجه آخر.

زاد الحافظ: ولما قال ذلك نزلت {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا} الآية [مريم:60] فقال: هذا شرط شديد فنزلت {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ} الآية [الزمر:53] .

وروى ابن إسحاق في (( السيرة ) )قال: حدثني نافع عن ابن عمر عن عمر قال اتعدت أنا وعياش بن أبي ربيعة وهشام بن العاص أن نهاجر إلى المدينة فذكر الحديث في قصتهم ورجوع رفيقه فنزلت {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ} الآية [الزمر:53] قال فكتبت بها إلى هشام.

قوله: ونزل {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ} [الزمر:53] في رواية الطبراني فقال الناس يا رسول الله إنا أصبنا ما أصاب وحشي فقال: «هي للمسلمين عامة» وروى أحمد والطبراني في (( الأوسط ) )من حديث ثوبان قال «سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول ما أحب أن لي بهذه الآية الدنيا وما فيها {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ} الآية، فقال رجل: ومن أشرك؟ فسكت ساعة ثم قال: ومن أشرك ثلاث مرات» قال الحافظ واستدل بعموم هذه الآية على غفران جميع الذنوب كبيرها وصغيرها سواء تعلقت بحق الآدميين أم لا، والمشهور عند أهل السنة

ج 5 ص 1073

أنَّ الذنوب كلها تغفر بالتوبة، وأنها تغفر لمن شاء الله، ولو مات على غير توبة، لكن حقوق الآدميين إذا تاب صاحبها من العود إلى شيء من ذلك تنفعه التوبة من العود، وأما خصوص ما وقع منه فلا بد له من رده لصاحبه أو محاولته منه، نعم في سعة فضل الله ما يمكن أن يُعْرِض صاحب الحق عن حقه، ولا يعذَّب العاصي بذلك، ويرشد إليه عموم قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء:48] والله أعلم. انتهى.

وقال القَسْطَلَّانِي: قوله {إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} [الزمر:53] الكبائر وغيرها الصادرة عن المؤمنين بعد التوبة، لكن قال القاضي ناصر الدين تقييده بالتوبة خلاف الظاهر، وإضافة العباد تخصصة بالمؤمنين كما هو عرف القرآن، وقال أيضًا: والذين أسرفوا: عام في جميع المسرفين، ويغفر الذنوب جميعًا: شامل لكبائرها وصغائرها، فتُغْفَر مع التوبة أو بدونها، خلافًا للمعتزلة حيث ذهبوا إلى أنه يعفو عن الصغائر قبل التوبة وعن الكبائر بعدها، وجمهور أصحابنا أنه يعفو عن بعض الكبائر مطلقا ويعذب ببعضها إلا أنه لا علم لنا الآن بشيء من هذين البعضين بعينه، وقال كثير منهم لا نقطع بعفوه عن الكبائر بلا توبة بل نجوِّزه واحتج الجمهور بوجهين:

الأول: أن العفُوَّ أن لا يعذب على الذنب مع استحقاق العذاب، ولا تقول المعتزلة بذلك الاستحقاق في غير صورة النزاع، إذ لا استحقاق بالصغائر أصلًا ولا بالكبائر بعد التوبة، فلم يبق إلا الكبائر قبلها فهو يعفو عنها كما ذهبنا إليه.

الثاني: الآيات الدالة على العفو عن الكبيرة قبل التوبة نحو قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} الآية [النساء:48] فإن ما عدا الشرك داخل فيه ولا يمكن التقييد بالتوبة، لأن الكفر معفو معها فيلزم تساوي ما نفى عنه الغفران وما أُثبت له، وذلك مما لايليق بكلام عاقل فضلًا عن كلام الله تعالى وقوله {إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} [الزمر:53] عام للكل فلا يخرج عنه إلاما أجمع عليه. انتهى.

ج 5 ص 1074

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت