8 - «بُنِي الإسْلامُ عَلَى خَمْسٍ ... إلى آخره» : ولقائل أن يقول هذا الحديث لا يجديكم شيئًا في دعواكم، بل الذي يثبت عنه مغايرة الإسلام للأعمال، فإنَّ المبنيَّ غيرُ المبنيِّ عليه. والجواب: إنَّ المغايرة تجوز أن تكون مغايرة وجود الكل لوجودات الأجزاء في أنفسها، كذا في (( اللَّامع ) ).
اعلم أنَّ المصنِّف استدلَّ بهذا الباب على أنَّ الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص، واستدلاله هذا مبني على أنَّ الإسلام والإيمان والدِّين عنده واحد، قلنا: إن أخذ الأعمال في الإيمان كالمكمِّل له، فلا إشكال، فإنَّ الإيمان الكامل يزيد وينقص، وقد يقال: إنَّ المركَّب هو الإسلام، فإنَّه مجموع التَّصديق والطَّاعات، وأما الإيمان بمعنى تصديق أمور مخصوصة، كما يفيده حديث جبريل الآتي، فهو أمر بسيط.
قال شيخ الهند في (( تراجمه ) ): (( والثَّابت من الحديث هو كون الأعمال جزء للإسلام لا جزء للإيمان، والثَّابت هو الزِّيادة والنُّقصان في الإسلام لا في الإيمان، ولا خلاف في ذلك بين أهل السُّنة والجماعة ) ).
قال القاري في (( المرقاة ) ): قوله: «بُنِي الإسْلامُ» هو اسم للشَّريعة دون الإيمان، وقد يطلق على الإذعان بالقلب والاستسلام بجميع القوى والجوارح في جميع الأحوال، وهو الذي أمر به إبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام حيث { ... قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ ... } [البقرة:131] ، وهذا أخصُّ من الأوَّل، والمراد به الإسلام الكامل، لأنَّ حقيقته مبنيَّة على الشَّهادتين فقط، وإنَّما اقتصر على بيان أركإنَّه مع إيماء إلى بقية شعب إيمإنَّه [1] . انتهى.
قال شيخ الهند في (( تراجمه ) ): ثمَّ إنَّ المصنِّف أشار إلى الردِّ على المرجئة في أكثر أبواب كتاب الإيمان، وردَّ في بعضها على الخوارج والمعتزلة، فإنَّ هذين الفريقين هما اللذان سلكا مسلك الإفراط والتَّفريط، وبالغا في مخالفة أهل الحقِّ، فأبطل المصنِّف ما ذهبا إليه بالوحي المتلوِّ وغير المتلوِّ، ثمَّ إنَّه شدَّد في الردِّ على المرجئة إمَّا لأنَّ مذهبهم يقتضي سدُّ باب الأعمال، لا حاجةً إليها، بل هي من باب الفُضُول، وإمَّا لأنَّ قولهم يباين المقصد الذي أراده المؤلِّف بـ (باب بدء الوحي) . انتهى.
ج 2 ص 105
[1] مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح:1/ 67